تراجع الذهب أمام ارتفاع الدولار والأسواق تراهن على خفض الفائدة وتحقق المكاسب

سعر الذهب
سعر الذهب

شهدت أسواق المعادن النفيسة تقلبات حادة خلال تعاملات اليوم الجمعة، حيث انخفض سعر الذهب متأثراً بارتفاع قيمة العملة الأميركية وزيادة حالة الغموض التي تخيم على مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران. 

ورغم هذا الانخفاض اللحظي، يواصل المعدن الأصفر مسيرته الإيجابية محققاً مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين في اتجاه السياسة النقدية الأميركية. 

لمتابعة أخبار الذهب لحظيًا:

 

ووفقا لما اطلعت عليه الصاغة يأتي هذا الأداء المتناقض في توقيت حساس للغاية، حيث تتشابك العوامل الجيوسياسية مع المؤشرات الاقتصادية لتخلق حالة من عدم اليقين تسود الأسواق العالمية. 

فمن ناحية، يدفع ارتفاع الدولار المستثمرين إلى الابتعاد عن الذهب كأداة للتحوط، ومن ناحية أخرى، تدفع التوقعات بخفض كبير في أسعار الفائدة الأميركية خلال العام الجاري إلى زيادة جاذبية المعدن النفيس الذي لا يدر عائداً مقارنة بالأصول الأخرى.

أسعار الذهب الفورية والآجلة تسجل مستويات متقاربة وسط ترقب حاد

بحلول الساعة الثالثة وستة عشر دقيقة بعد منتصف الليل بتوقيت غرينتش، أظهرت بيانات التداول المباشرة هبوط سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة طفيفة بلغت 0.1% ليستقر عند مستوى 4759.54 دولار أمريكي للأونصة الواحدة.

 هذا المستوى، رغم انخفاضه اليومي، لا يعكس الصورة الكاملة للأداء الأسبوعي للذهب، حيث سجل المعدن الثمين مكاسب ملحوظة بلغت نسبتها 1.8% منذ بداية الأسبوع الجاري، وهو ما يؤكد قوة الاتجاه الصاعد على المدى القصير. 

وفي سوق العقود الآجلة، انخفضت العقود الأميركية تسليم شهر يونيو المقبل بنسبة أكبر بلغت 0.7% لتصل إلى 4782.70 دولار للأونصة، وفقاً للبيانات الصادرة عن وكالة رويترز العالمية. 

هذا الفارق في نسبة الانخفاض بين السوق الفورية والسوق الآجلة يشير إلى توقعات متباينة بين المتداولين حول مسار الأسعار في الأشهر القادمة، حيث يبدو أن بعض المستثمرين يرون أن الضغوط الحالية مؤقتة وقد تنفرج قريباً.

ارتفاع الدولار الأميركي يضغط على أسعار الذهب عالمياً

العامل الأكثر تأثيراً في انخفاض الذهب اليوم يتمثل في صعود مؤشر الدولار الأميركي، حيث أن العلاقة العكسية بين العملة الخضراء والمعدن الأصفر تعتبر من الثوابت الأساسية في الأسواق المالية. 

عندما يرتفع الدولار، يصبح الذهب المسعر بهذه العملة أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يستخدمون عملات أخرى، مما يقلل الطلب عليه ويضغط على أسعاره للهبوط. 

هذا التأثير كان واضحاً اليوم، حيث دفع ارتفاع المؤشر العديد من المتداولين إلى تصفية مراكزهم في الذهب تحسباً لمزيد من المكاسب للعملة الأميركية.

 لكن من المهم ملاحظة أن هذا الضغط كان محدوداً نسبياً، وهو ما يفسر لماذا لم يتجاوز الانخفاض نسبة 0.1% في المعاملات الفورية، مما يشير إلى وجود قوى معاكسة تدعم المعدن النفيس وتمنعه من الانهيار.

الغموض الجيوسياسي في الشرق الأوسط يبقي الذهب في حالة ترقب

التعقيدات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط تلعب دوراً محورياً في تحركات أسعار الذهب حالياً. يقول كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية لدى مؤسسة كابيتال دوت كوم، إن هناك حالة من الغموض الشديد حول كيفية تطور اتفاق وقف إطلاق النار في المنطقة، وما هي انعكاسات ذلك على أسواق الطاقة العالمية. 

هذا الغموض يبقي المتعاملين في سوق الذهب في حالة من الترقب والانتظار، خاصة مع بدء آخر جلسات الأسبوع. فمن ناحية، أي تصعيد عسكري جديد قد يؤدي إلى موجة من شراء الملاذات الآمنة ومنها الذهب.

 ومن ناحية أخرى، أي استقرار أو تقدم في المفاوضات قد يدفع الأسعار للتراجع. هذا الانقسام في السيناريوهات المحتملة يفسر التحركات الضيقة نسبياً التي نشهدها اليوم، حيث يفضل المستثمرون الانتظار قبل اتخاذ أي مواقف كبيرة.

الذهب بين الحرب والسلام: 4000 دولار أو 5000 دولار قاب قوسين أو أدنى

التحليل الذي يقدمه كايل رودا يرسم صورة واضحة عن حساسية الذهب للتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. يشير المحلل إلى أن الذهب قد يكون على بعد خطوات قليلة من مستويات متطرفة في كلا الاتجاهين، وذلك حسب مسار الأحداث المقبلة.

 إذا انهارت الأمور وعاد التصعيد العسكري إلى وضعه السابق، فقد يعود الذهب بسرعة كبيرة إلى مستوى 4000 دولار للأونصة، وهو مستوى كان قد لامسه خلال ذروة التوترات السابقة. 

أما إذا استمر وقف إطلاق النار وأظهرت الأطراف المختلفة جدة في التعامل معه، وزادت التوقعات بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام شامل في المستقبل المنظور، فقد نشهد تجاوز سعر الذهب لمستوى 5000 دولار للأونصة. 

هذه التصريحات تعكس مدى الارتباط الوثيق بين أسعار الذهب والأحداث الجيوسياسية، وكيف يمكن لتحول واحد في المشهد السياسي أن يغير مسار السوق بشكل جذري.

تاريخ الذهب منذ اندلاع الحرب: انخفاض 10% رغم المخاوف

من المفارقات المثيرة للاهتمام أن الذهب سجل انخفاضاً بنسبة تقترب من 10% في المعاملات الفورية منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي. 

هذا التراجع قد يبدو غير منطقي للوهلة الأولى، فالحروب عادة ما تدفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب، لكن التحليل الأعمق يظهر أن الآلية كانت مختلفة هذه المرة. 

فقد أدى اندلاع الحرب إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالمياً، وهو ما أثار مخاوف كبيرة في الأسواق بشأن عودة التضخم بقوة.

 هذه المخاوف بدورها زادت من احتمالات قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها، والأسعار المرتفعة للفائدة هي العدو اللدود للذهب لأنه يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الذي لا يدر عائداً. إذن، الحرب هذه المرة أضرت بالذهب بشكل غير مباشر عبر قناة الطاقة والتضخم.

وقف إطلاق النار الهش يتعرض لاختبار جديد بتصاعد التوترات اليوم

اليوم الجمعة، شهد وقف إطلاق النار الهش الذي استمر لأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران مزيداً من التوتر، حيث وجهت واشنطن اتهاماً صريحاً لطهران بخلف الوعود التي قطعتها فيما يتعلق بسلامة الملاحة في مضيق هرمز. 

هذا الاتهام يأتي في وقت حساس للغاية، حيث كانت الأسواق قد بدأت في استيعاب فكرة أن الهدنة قد تستمر وتؤدي إلى تهدئة أكبر في المنطقة. أي تصعيد جديد في الاتهامات المتبادلة قد يكون مقدمة لعودة الاشتباكات، وهو ما سيدفع أسعار الذهب للارتفاع من جديد. لكن على الجانب الآخر من المعادلة.

 فإن أسواق النفط بدأت تتعامل مع التفاؤل بشكل إيجابي، حيث انخفض سعر خام برنت بأكثر من 11% هذا الأسبوع وحده، وسط توقعات بأن نجاح وقف إطلاق النار قد يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية بشكل كامل، مع العلم أن حوالي 20% من الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال تمر عبر هذا المضيق الاستراتيجي.

بيانات التضخم تنتظر، والمستثمرون يراهنون على خفض الفائدة في ديسمبر

بعيداً عن الجيوسياسة، تتركز أنظار المستثمرين حالياً على البيانات الاقتصادية الأميركية، وخصوصاً مؤشر أسعار المستهلكين لشهر مارس الماضي الذي من المقرر الإعلان عنه في وقت لاحق من اليوم الجمعة. 

هذا المؤشر سيعطي إشارات قوية حول اتجاه السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في الأشهر المقبلة. وقبل يوم من الآن، أظهرت بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الفيدرالي نفسه، ارتفاعاً بنسبة 2.8% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في فبراير الماضي، وهو رقم جاء متطابقاً مع توقعات المحللين.

 ومع ذلك، يتوقع الكثيرون أن يواصل هذا المؤشر ارتفاعه خلال بيانات شهر مارس الجاري. ورغم ذلك، فإن الأسواق لا تزال تراهن بشكل واضح على خفض أسعار الفائدة. 

وفقاً لأداة فيد ووتش التابعة لمجموعة سي.أم.إي للتحليلات المالية، فإن الأسواق تتوقع حالياً بنسبة 31% أن يقوم مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة بما لا يقل عن 25 نقطة أساس خلال اجتماعه المقرر في شهر ديسمبر المقبل، وهذه النسبة تعتبر ارتفاعاً كبيراً مقارنة بنسبة 20% فقط التي كانت مسجلة في الجلسة الماضية، مما يعكس تحولاً في التوقعات نحو المزيد من التيسير النقدي.

أداء المعادن النفيسة الأخرى: الفضة ترتفع والبلاتين يتراجع

على صعيد المعادن النفيسة الأخرى، شهدت الأسواق تبايناً في الأداء خلال تعاملات اليوم الجمعة. سجلت الفضة في المعاملات الفورية ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 0.9% لتصل إلى مستوى 75.74 دولار للأونصة، وهو ما يعكس طلباً متزايداً على المعدن الأبيض الذي يستخدم في الأغراض الصناعية إلى جانب كونه ملاذاً آمناً. 

في المقابل، خسر البلاتين نسبة 2% من قيمته ليصل إلى 2061.06 دولار للأونصة، في تراجع يعكس ضعف الطلب الصناعي أو تصحيحاً لارتفاعات سابقة. 

كما هبط البلاديوم بنسبة 1.2% ليستقر عند مستوى 1539.43 دولار للأونصة، في استمرار للاتجاه الهابط الذي يشهده هذا المعدن في الفترة الأخيرة. 

هذا التباين في أداء المعادن النفيسة يعكس تنوع العوامل المؤثرة في كل معدن على حدة، حيث أن الذهب والفضة يتأثران بشكل أكبر بالعوامل النقدية والجيوسياسية، بينما يتأثر البلاتين والبلاديوم بشكل أكبر بالعوامل الصناعية وتوقعات الطلب من قطاع السيارات.


 

تم نسخ الرابط