رودي نبيل: حين يتحول الكتاب إلى ضحية.. ماذا حدث داخل عقول أطفالنا بعد الامتحان؟

رودي نبيل
رودي نبيل

في لحظة كان يفترض أن تكون نهاية تعب وبداية راحة، تحولت فرحة الخروج من الامتحان إلى مشهد صادم يحمل ما يدل عليه المشهد من وجهة نظري.


أطفال يمزقون كتبهم ويرمونها في الشارع، وكأنهم يتخلصون من عبء ثقيل لا من وسيلة تعلم وبناء.


المشهد ليس مجرد تصرف عابر أو لحظة تهور، بل هو رسالة نفسية صامتة تحتاج أن تُفهم لا أن تُدان. الطفل في تلك اللحظة لا يرى الكتاب كصديق، بل كرمز لضغط طويل عاشه دون أن يجد متنفسًا حقيقيًا هو لا يمزق الورق بقدر ما يمزق مشاعر مكبوتة من خوف، قلق، توتر، وربما شعور بعدم الفهم أو العجز.


عندما يدخل الطفل الامتحان وهو محمّل بفكرة أن هذا الاختبار يحدد قيمته أو مستقبله، يصبح الكتاب بالنسبة له مصدر تهديد وليس مصدر معرفة ومع انتهاء الامتحان، يشعر بانفجار داخلي يدفعه للتخلص من كل ما يذكره بهذه التجربة. 

في عقله البسيط، تمزيق الكتاب هو بالنسبة له إعلان حرية، هو انتقام صامت من ضغط لم يستطع التعبير عنه بالكلمات.


هناك أطفال لم يفهموا الدروس كما يجب، لكنهم خافوا من الاعتراف بهذا، وآخرون تعرضوا لضغط مستمر من الأسرة أو المدرسة لتحقيق درجات معينة، أو ربما كثرة التقييمات المبالغ فيها. كما أن غياب المعنى الحقيقي للتعلم يلعب دورًا كبيرًا.

 حين يدرس الطفل فقط من أجل الامتحان، لذلك لا يشعر بأي ذنب عند تمزيقه، لأنه لم يُبنَ داخله احترام حقيقي للعلم.


ولذلك علينا أن ننتبه جميعًا، فالحل لا يبدأ بالعقاب أو التوبيخ، بل بالفهم وإعادة التوازن. يحتاج الطفل أن يشعر أن الامتحان جزء من الحياة وليس حكمًا نهائيًا عليه. يجب أن نعيد تعريف النجاح أمامه ليشمل الفهم والمحاولة والتطور الحقيقي الملموس، لا مجرد الدرجات.

عملت إيه في الامتحان


من المهم خلق بيئة تعليمية أكثر رحمة وتوازنًا، لا تحرم الطفل من ممارسة طفولته ومهاراته، وتسمح بالخطأ وتحتويه بدل أن تعاقبه. الحوار مع الأطفال بعد الامتحان ضروري جدًا، ليس عن “عملت إيه في الامتحان؟” بل عن “كنت حاسس بإيه؟” و“إيه اللي كان صعب عليك؟”. هذه الأسئلة تفتح بابًا للتفريغ النفسي الذي يمنع انفجار المشاعر بهذه الطريقة.


كذلك، يجب ربط التعلم بالحياة، والأنشطة والتعليم النشط والممتع، وجعل الكتاب وسيلة لاكتشاف العلم لا مجرد صفحات للحفظ. عندما يشعر الطفل أن ما يتعلمه له قيمة حقيقية، سيبدأ في احترامه تلقائيًا.


ومن جانب الأسرة، التوازن مطلوب بين الدعم والمتابعة دون ضغط زائد. الطفل يحتاج أن يشعر أن قيمته ثابتة سواء نجح أو تعثر، وأن هناك من يفهمه لا من يحاسبه فقط.


وفي النهاية، هذا المشهد ليس نهاية، بل بداية لفهم أعمق.


الأطفال لم يكرهوا الكتب، بل كرهوا الشعور الذي ارتبط بها.


وإذا استطعنا أن نغير هذا الشعور، سنرى نفس الأيدي التي مزقت الورق تعود لتتمسك به… ولكن هذه المرة بحب.
 

تم نسخ الرابط