أزمة الفضة العالمية تتفاقم: عجز تاريخي في المعروض وضغوط غير مسبوقة على السوق الورقي

الفضة
الفضة

يشهد سوق الفضة العالمي واحدة من أخطر أزماته الهيكلية في العقود الأخيرة، في ظل اختلال واضح ومستمر بين العرض والطلب، دفع العجز السنوي في المعروض إلى مستويات غير مسبوقة تُقدَّر بنحو 187 مليون أونصة سنويًا.  

 هذا العجز لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ في الظهور بشكل هيكلي منذ عام 2019، قبل أن تتسارع وتيرته بشكل حاد عقب جائحة كوفيد-19، التي تسببت في اضطرابات واسعة بسلاسل الإمداد العالمية وزيادة الطلب الصناعي على المعادن الاستراتيجية، وعلى رأسها الفضة.

سوق الفضة

وتشير البيانات المتراكمة منذ الجائحة إلى أن  استنزف ما يقرب من 1.194 مليار أونصة من المخزونات العالمية، وهو رقم يعكس حجم الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك الفعلي. 

هذا العجز التراكمي الهائل يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة السوق على الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي، خاصة مع تقلص المخزون المتاح سواء لدى الجهات الرسمية أو في الأسواق الحرة، ما يزيد من هشاشة التوازن السعري على المدى المتوسط والطويل.

وتتفاقم أزمة المعروض بسبب الطبيعة الخاصة لإنتاج الفضة عالميًا، حيث لا تمثل مناجم الفضة الأولية سوى نحو 28% فقط من إجمالي الإمدادات، بينما يأتي ما يقرب من 72% من الإنتاج كمنتج ثانوي لعمليات تعدين معادن أخرى مثل النحاس والزنك والرصاص.

 هذا الواقع يجعل إنتاج الفضة أقل مرونة في الاستجابة لتحركات الأسعار، إذ إن قرارات التوسع في الإنتاج ترتبط أساسًا بأسواق المعادن الرئيسية الأخرى، وليس بسوق الفضة نفسه، وهو ما يحد من قدرة العرض على مواكبة الطلب المتزايد.

وفي المقابل يواصل سوق الفضة الورقية، خصوصًا في بورصة كومكس، العمل وفق مستويات مرتفعة للغاية من الرافعة المالية، حيث يتم تسليم أقل من 1% فقط من عقود المشتقات بشكل فعلي. 

ويعكس حجم التداول الاسمي اليومي في كومكس فجوة هائلة بين السوق الورقي والواقع المادي، إذ يعادل هذا الحجم نحو 220 ضعف الإنتاج العالمي اليومي من مناجم الفضة، ما يعني أن يوم تداول واحد فقط يتطلب نظريًا إنتاج مناجم العالم لفترة تتراوح بين سبعة وثمانية أشهر، وهو وضع يسلط الضوء على مخاطر كامنة في حال تصاعد الطلب على التسليم الفعلي.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، زادت الضغوط على سوق الفضة بعد فرض الصين قيودًا على صادراتها من المعدن، الأمر الذي قلّص المعروض المتاح للأسواق العالمية، خاصة في ظل كون الصين لاعبًا محوريًا في سلاسل توريد المعادن الصناعية. 

وفي تطور لافت، أعلنت الولايات المتحدة في الربع الأخير من عام 2025 تصنيف الفضة كمعدن بالغ الأهمية لقطاع الإنتاج الدفاعي، ما يعزز الطلب الاستراتيجي عليها في الصناعات العسكرية والتكنولوجية المتقدمة، ويضيف بعدًا جديدًا للصراع العالمي على الموارد.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو سوق الفضة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها أزمة المعروض الهيكلية مع تصاعد الطلب الصناعي والاستراتيجي، إلى جانب الاعتماد المفرط على الأسواق الورقية ذات الرافعة المالية العالية. 

هذه العوامل مجتمعة تجعل الفضة من أكثر المعادن عرضة لاحتمالات إعادة تسعير قوية في حال حدوث أي صدمة في جانب التسليم الفعلي أو تراجع الثقة في آليات التسعير الحالية، ما يضع المستثمرين وصناع القرار أمام واقع جديد يتطلب قراءة دقيقة لمستقبل هذا المعدن الاستراتيجي.

تم نسخ الرابط