الفضة عند مفترق طرق تاريخي.. هل نحن أمام “بجعة فضية” تهدد النظام المالي؟

الفضة
الفضة

تشهد أسواق الفضة العالمية تطورات استثنائية قد تمثل واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ هذا المعدن، ليس فقط كسِلعة صناعية، بل كعنصر محوري في النظام المالي والنقدي العالمي.

 ما يحدث حاليًا يتجاوز كونه موجة ارتفاع أسعار تقليدية، ويدخل في نطاق اختلال هيكلي عميق في سوق المشتقات، وسلاسل الإمداد، ومراكز البنوك الكبرى.

أولًا: حركة سعرية غير مسبوقة وسوق شديد التوتر

مع افتتاح التداولات تعرضت أسعار الفضة لهبوط حاد تجاوز 9 دولارات للأونصة خلال أول 90 دقيقة، قبل أن تعود للارتفاع بنحو 6 دولارات مع دخول السوق الصينية. 

هذه الحركة العنيفة تعكس حالة من الذعر والمضاربات القسرية بين كبار اللاعبين، وليست مجرد تذبذب طبيعي.

وتعد الصين بوصفها أحد أكبر المستهلكين الفعليين للفضة صناعيًا واستثماريًا، لعبت دور “الداعم الأخير للسعر”، حيث امتص الطلب الفعلي موجات البيع، ما يؤكد أن السوق لم يعد ورقيًا بحتًا، بل بات محكومًا بالعرض والطلب الحقيقيين.

ثانيًا: نزيف مخزونات لندن وضغط نيويورك

في لندن يواجه سوق جمعية سوق السبائك (LBMA) استنزافًا مستمرًا في مخزون الفضة، ما يثير تساؤلات حقيقية حول قدرة السوق الورقي على الاستمرار بعد عام 2026 بنفس الآليات الحالية.

أما في نيويورك (COMEX)، فالطلب على التسليم الفعلي للفضة بلغ مستويات غير معتادة. المستثمرون والمؤسسات لا يريدون عقودًا ورقية، بل معدنًا حقيقيًا، وهو ما يضع ضغطًا مباشرًا على البنية الأساسية لسوق المشتقات.

ثالثًا: مراكز بيع مكشوفة ونذر تصفية قسرية

تشير البيانات والتقديرات إلى أن عددًا من البنوك، خصوصًا غير الأمريكية، كانت تحتفظ بمراكز بيع مكشوفة ضخمة على الفضة، سواء عبر عقود كومكس أو من خلال مشتقات خارج البورصة (OTC)، بكميات تتجاوز مئات الملايين من الأونصات.

الارتفاع الحاد في الأسعار أدى إلى نداءات هامش متتالية. وتدور شائعات قوية — لم يتم تأكيدها رسميًا — عن بنك سبائك كبير عجز عن تلبية أحد هذه النداءات، ما فتح الباب أمام احتمال التصفية القسرية لمراكزه. 

في مثل هذه الحالات، يتحول البائعون إلى مشترين إجباريين، وهو ما يُعرف بـ”الضغط الشرائي” (Short Squeeze)، الذي قد يدفع الأسعار إلى مستويات انفجارية.

رابعًا: الرهان الغامض على شركات تعدين الفضة

قبل إغلاق إحدى الجلسات بدقائق معدودة، تم تسجيل عملية شراء ضخمة لعقود خيار بقيمة تقارب 429 مليون دولار على صندوق شركات تعدين الفضة الصغيرة (SILJ)، رغم أن القيمة السوقية للصندوق بالكامل لا تتجاوز 2.7 مليار دولار.

توقيت الصفقة وحجمها يوحيان بأن جهة مطّلعة تراهن على صعود حاد وسريع في قطاع تعدين الفضة خلال أسابيع قليلة، ما يعزز فرضية أن بعض اللاعبين الكبار يسعون للتحوط أو التعويض عن خسائر محتملة في مراكز أخرى، لا سيما مراكز البيع على المعدن نفسه.

خامسًا: الفضة والطاقة الشمسية – مستوى 134 دولارًا الحرج

تلعب الفضة دورًا أساسيًا في صناعة الألواح الشمسية وتشير التقديرات إلى أن وصول سعر الأونصة إلى نحو 134 دولارًا سيؤدي إلى تلاشي أرباح قطاع تصنيع الألواح الشمسية عالميًا.

وخلال عام واحد فقط، تراجعت أرباح هذا القطاع من 31 مليار دولار إلى 16 مليار دولار، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفضة. 

هذا الضغط دفع العديد من الشركات إلى تخزين الفضة تحسبًا لارتفاعات أكبر، ما زاد الطلب الفعلي وساهم في تسريع وتيرة الصعود.

 

سادسًا: إشارة التحذير الأهم – سوق مبادلات الفضة

يُعد منحنى مبادلات الفضة لمدة عام واحد (Silver Swap) من أخطر المؤشرات الحالية، حيث لا يزال في المنطقة السلبية العميقة. هذه الحالة تعني أن السوق مستعد لدفع علاوة للحصول على الفضة الفعلية الآن، مقابل خصم على التسليم المستقبلي، وهي علامة كلاسيكية على نقص المعدن الحقيقي وفقدان الثقة في الأدوات الورقية.

 

سابعًا: ما بعد 100 دولار… المخاطر النظامية

إذا تجاوزت أسعار الفضة حاجز 100 دولار للأونصة واستمرت في الصعود السريع، فقد تتحول الخسائر غير المحققة للبنوك إلى عشرات المليارات، ما يهدد استقرار بعض المؤسسات المالية. وكلما تسارع الارتفاع، زادت احتمالات الانفجار المفاجئ في سوق المشتقات.

في هذا السياق لا يعود الأمر مجرد أزمة فضة، بل احتمال انتقال العدوى إلى أسواق السلع الأخرى، خصوصًا الطاقة، في ظل سنوات من ضعف الاستثمار في النفط والغاز، ما قد يشعل دورة صعود واسعة في السلع الأساسية.

  لحظة تاريخية لا ينبغي تجاهلها

ما نشهده اليوم قد يكون بداية حدث نادر — “بجعة فضية” — يعيد تسليط الضوء على هشاشة النظام المالي القائم على الرافعة المالية والمشتقات الورقية. 

وفي عالم يشهد صراعات جيوسياسية متصاعدة منذ عام 2022، تصبح المعادن النفيسة، وعلى رأسها الذهب والفضة، أدوات نقدية واستراتيجية لا مجرد سلع.

قد تمتلك القوى الكبرى أدوات للتدخل واحتواء الأزمات، لكن كل تدخل له ثمن، وكل تشوه في السوق يترك أثرًا أعمق.

 لذلك فإن تجاهل ما يحدث في سوق الفضة اليوم قد يكون خطأً استراتيجيًا، لأن ما يبدأ بهدوء في هذا السوق قد يمتد ليشعل مرحلة جديدة في النظام المالي والاقتصادي العالمي.

تم نسخ الرابط