تطور غير مسبوق في فنزويلا.. أمريكا تلقي القبض على نيكولاس مادورو وزوجته
القبض على نيكولاس مادورو .. في تطور مفاجئ هزّ المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم السبت، تنفيذ القوات الأمريكية عملية واسعة النطاق داخل الأراضي الفنزويلية، أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى خارج البلاد، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ عقود في تاريخ الصراع بين واشنطن وكاراكاس.
ووفقًا لمصادر إعلامية، شهدت العاصمة كاراكاس سلسلة انفجارات متزامنة في مناطق مختلفة، تسببت في انقطاع التيار الكهربائي عن أحياء عدة، ما أدى إلى حالة من الارتباك الأمني والشلل الجزئي في المرافق الحيوية، بينما سارعت السلطات الفنزويلية إلى إعلان إجراءات طوارئ للتعامل مع تداعيات الموقف المتسارع.
وتأتي هذه العملية في ظل توتر سياسي ممتد بين الولايات المتحدة وفنزويلا، تصاعد خلال السنوات الماضية بسبب اتهامات متكررة لحكومة مادورو بتزوير الانتخابات، والانخراط في شبكات تهريب مخدرات عابرة للحدود، إضافة إلى سجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان، وهي اتهامات لطالما نفتها كاراكاس واعتبرتها ذريعة للتدخل الخارجي.
رحلة مادورو من الهامش إلى قمة السلطة
وُلد نيكولاس مادورو موروس عام 1962 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، وبدأ حياته المهنية بعيدًا عن السياسة، حيث عمل سائق حافلة ضمن شبكة النقل العام، قبل أن ينخرط في العمل النقابي، وهو المسار الذي شكّل بوابته الأولى إلى الحياة السياسية.
وسرعان ما جذب نشاطه النقابي انتباه الرئيس الراحل هوغو شافيز، ليصبح أحد المقربين منه وأكثر حلفائه ولاءً، ما مهّد الطريق أمامه لتولي مناصب بارزة داخل الدولة، أبرزها منصب وزير الخارجية بين عامي 2006 و2013، ثم نائبًا للرئيس، قبل أن يصل إلى سدة الحكم عقب وفاة شافيز في عام 2013.
ومنذ ذلك التاريخ استمر مادورو في رئاسة البلاد عبر انتخابات أثارت جدلًا واسعًا، لا سيما في عامي 2018 و2024، وسط اتهامات متكررة بالتلاعب بالنتائج وإقصاء المعارضة، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى التشكيك في شرعية حكمه.
سنوات الانهيار الاقتصادي والنزوح الجماعي
وخلال فترة حكم مادورو دخلت فنزويلا واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في تاريخها، حيث شهدت البلاد تضخمًا مفرطًا غير مسبوق، وانهيارًا حادًا في قيمة العملة المحلية، ونقصًا مزمنًا في الغذاء والدواء، إلى جانب تدهور واسع في الخدمات الصحية والكهرباء والمياه.
وأدت هذه الأوضاع إلى موجات نزوح جماعي، غادر على إثرها ملايين الفنزويليين البلاد باتجاه دول الجوار وأميركا اللاتينية، في مشهد أعاد رسم الخريطة الديموغرافية للمنطقة، وأثار قلقًا دوليًا متزايدًا بشأن الأوضاع الإنسانية داخل الدولة الغنية بالنفط.
ثروة معلنة محدودة وأسئلة بلا إجابة
ورغم سنوات الحكم الطويلة، تشير التقديرات الرسمية إلى أن صافي ثروة نيكولاس مادورو الشخصية لا يتجاوز بضعة ملايين من الدولارات، حيث قدرتها بعض المواقع المتخصصة بين مليون ومليوني دولار فقط، مستندة إلى دخله الرئاسي والأصول المعروفة باسمه.
ويتقاضى مادورو راتبًا رئاسيًا رسميًا يقدَّر بنحو أربعة آلاف دولار شهريًا، إضافة إلى امتيازات تشمل السكن الرسمي، ووسائل النقل، والحماية الأمنية، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول التناقض بين هذا الدخل المحدود، وحجم النفوذ الاقتصادي الذي تمتعت به حكومته.
اتهامات بثروات خفية ومصادرات ضخمة
في المقابل، يرى منتقدو مادورو أن ثروته الحقيقية أكبر بكثير من الأرقام المعلنة، إذ كشفت السلطات الأميركية في وقت سابق عن مصادرة أصول تتجاوز قيمتها سبعمائة مليون دولار مرتبطة به وبشبكات مقربة من نظامه، شملت طائرات خاصة، وعقارات فاخرة، وسيارات عالية القيمة، ضمن تحقيقات موسعة في قضايا فساد وغسل أموال.
وفي عام 2020، وجهت الولايات المتحدة اتهامات رسمية لمادورو تتعلق بالإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات، وأعلنت مكافأة مالية قدرها خمسة عشر مليون دولار مقابل أي معلومات تؤدي إلى القبض عليه، كما طالت التحقيقات زوجته سيليا فلوريس وأفرادًا من عائلتها، على خلفية اتهامات بالرشوة واستغلال النفوذ والمحسوبية.
ويشير محللون إلى أن السيطرة الفعلية على شركة النفط الوطنية الفنزويلية، التي تمثل المصدر الرئيسي لعائدات الدولة، أتاحت تحويل مليارات الدولارات عبر قنوات غير شفافة، بعيدًا عن الرقابة الدولية، في ظل غياب مؤسسات رقابية مستقلة.
مستقبل غامض وتداعيات مفتوحة
وأثارت عملية القبض على مادورو ردود فعل متباينة داخل فنزويلا وخارجها، حيث انقسم الرأي العام بين من رأى في العملية نهاية محتملة لحقبة سياسية مثيرة للجدل، ومن اعتبرها تدخلًا أميركيًا مباشرًا يهدد سيادة البلاد واستقرارها.
ومع إعلان حالة الطوارئ تعيش فنزويلا مرحلة من الغموض السياسي، وسط مخاوف من اضطرابات داخلية، مقابل آمال بفتح مسار سياسي جديد قد يعيد ترتيب المشهد الداخلي ويضع البلاد على طريق مختلف، رغم التحديات الكبيرة التي تحيط بأي مرحلة انتقالية محتملة.
وفي ظل استمرار التحقيقات والإجراءات القانونية، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستكشفه الأيام المقبلة، ليس فقط بشأن مستقبل الحكم في فنزويلا، بل أيضًا حول حقيقة الثروات التي أحاطت بنظام مادورو لسنوات طويلة، وبقيت محل جدل وتساؤل داخل وخارج البلاد.