أساطيل الظل تسيطر على ربع نفط العالم.. شبكة خفية تهز سوق الطاقة

الصاغة

في قلب مشهد دولي مضطرب تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، عادت إلى الواجهة ظاهرة “أساطيل الظل” كواحدة من أكثر الأدوات غموضًا وتأثيرًا في سوق الطاقة العالمية. 

هذه الشبكة غير المرئية، التي تضم مئات ناقلات النفط القديمة ذات الملكيات المعقدة والمخفية، تعمل خارج الأطر التقليدية للتجارة الدولية، متجاوزة قواعد الرقابة والتأمين، لتصبح لاعبًا رئيسيًا في معادلة النفط العالمية.

اضطراب ملحوظ في أسواق النفط

وجاءت عودة هذه الظاهرة بقوة مدفوعة بتداعيات الحرب الإيرانية والتوترات المتزايدة في منطقة الخليج، خاصة مع القيود المفروضة على حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة في العالم. 

هذه التطورات تسببت في اضطراب ملحوظ في أسواق النفط، ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في سياسات العقوبات، وتخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيراني، بل وحتى الروسي، لتفادي صدمة محتملة في الإمدادات العالمية.

في هذا السياق، تحولت ناقلات الظل إلى شريان خفي يضمن استمرار تدفق النفط، خصوصًا لصالح دول مثل إيران وروسيا، اللتين وجدتا في هذه الشبكات وسيلة فعالة للالتفاف على العقوبات وتعزيز الإيرادات. 

وتشير التقديرات إلى أن إيران تمتلك حاليًا نحو 15 مليار دولار من النفط المخزن أو العائم في البحر، بينما نجحت منذ اندلاع الأزمة في تصدير ما يقارب 1.5 مليون برميل يوميًا، بعوائد تتجاوز 140 مليون دولار يوميًا، في ظل مرور ناقلاتها عبر المضيق دون تهديدات مباشرة.

أما موسكو، فقد استفادت هي الأخرى من هذا التحول بشكل لافت، فبعد ضغوط قوية نتيجة العقوبات الغربية وفقدان بعض الأسواق، عادت لتحقق مكاسب يومية إضافية تُقدر بنحو 150 مليون دولار، مدفوعة بارتفاع الأسعار وتخفيف القيود، إلى جانب إعادة توجيه شحناتها نحو أسواق أكثر مرونة مثل الهند، بما يقلص زمن الرحلات البحرية ويعزز هوامش الربح.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة فايننشال تايمز، فإن أكثر من 1,065 ناقلة نفط شاركت في نقل شحنات خاضعة للعقوبات منذ عام 2022، معظمها من إيران وروسيا وفنزويلا، من بينها 683 ناقلة تعمل ضمن “الظل”، أي خارج منظومة التأمين الغربية وبملكية غير معلنة، ما يجعل تعقبها أو إخضاعها للعقوبات أمرًا بالغ التعقيد.

 أساليب متطورة للتمويه

وتعتمد هذه الشبكة على أساليب متطورة للتمويه، تشمل إغلاق أجهزة التتبع في نحو ربع الرحلات، وترتفع النسبة إلى 40% في حالة النفط الإيراني، فضلًا عن تغيير أعلام السفن وأسمائها بشكل متكرر، وأحيانًا نقل الشحنات بين السفن في عرض البحر لإخفاء مصدرها الحقيقي. 

هذه الممارسات تجعل من “أساطيل الظل” منظومة موازية كاملة، تعمل بكفاءة عالية بعيدًا عن أعين الرقابة الدولية.

ورغم الجهود المتزايدة للحد من هذه الظاهرة، فإن الأرقام تكشف عن واقع مختلف، حيث باتت هذه الأساطيل تنقل ما يقرب من ربع إمدادات النفط الخام عالميًا، وهو ما يعكس حجم تأثيرها المتنامي في سوق الطاقة.

في المحصلة، لم تعد “أساطيل الظل” مجرد نشاط هامشي أو استثنائي، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في توازنات سوق النفط، تفرض نفسها بقوة في ظل عالم يزداد تعقيدًا، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، وتُعاد صياغة قواعد التجارة تحت ضغط الأزمات والصراعات.

تم نسخ الرابط