خداع "الهبوط الناعم": لماذا تتدهور السندات بهدوء بينما يرقص المستثمرون مع الذكاء الاصطناعي؟

تعبيرية
تعبيرية

في الوقت الذي يواصل فيه مستثمرو الأسهم الاحتفال بتقنيات الذكاء الاصطناعي وإعادة شراء الأسهم وقصص “الهبوط الناعم”، ترسل أسواق السندات رسائل تحذيرية مختلفة تماماً.

وكما حدث تاريخياً، فإن سوق الدخل الثابت هو الذي يحدد في النهاية نغمة النظام المالي بأكمله.

نشر المحلل لوران موريل تحليلاً يرصد ظاهرة غير عادية: رغم البيئة الجيوسياسية “الخطرة”، يواصل الأصول الخطرة تفوقه، بينما تتدهور أسواق السندات بهدوء في الخلفية.

انخفض تقلب الأسهم (مؤشر VIX) بسرعة بعد الصدمة الأولى في الشرق الأوسط، لكن عوائد السندات السيادية استمرت في الارتفاع.

الديون السيادية تعود إلى الواجهة

يؤكد التحليل أن مستثمري الدخل الثابت بدأوا يواجهون واقعاً أكثر صعوبة: عجوزات ميزانية متسارعة، ضغوط تضخمية مدفوعة بالطاقة، إعادة تمويل هائلة، هشاشة متزايدة في سوق الائتمان الخاص، وعودة القيود المادية في الاقتصاد العالمي.

في لندن، حيث أجرى المؤلف مناقشات مع مديري المحافظ ومخصصي الأصول، يلاحظ تحولاً واضحاً في النبرة. كان الحديث العام الماضي يدور حول عودة محفظة 60/40 (أسهم وسندات)، أما اليوم فالسؤال الأعمق: هل يمكن للسندات أن تحتفظ بدورها كأصل “خالٍ من المخاطر” على المدى الطويل في عالم يعاني من عجوزات هيكلية وتوترات طاقية وإعادة تمويل ضخمة؟

بريطانيا واليابان في مرمى الضغط

يبرز التقرير المملكة المتحدة كأحد مراكز التوتر الرئيسية. عادت عوائد السندات الحكومية البريطانية (GILTs) إلى مستويات تذكر بأزمة صناديق التقاعد عام 2022، حيث تجاوز العائد لأجل 10 سنوات 5.1%، واقترب العائد لأجل 30 عاماً من 5.8%. ويُعتبر حادثة ليز تراس مجرد إشارة أولى لمشكلة أعمق تتعلق بحساسية النظام الاقتصادي لتكلفة رأس المال بعد سنوات من الفائدة المنخفضة الاصطناعية.

أما اليابان فهي الحالة الأكثر خطورة

تجاوز العائد على سندات الحكومة اليابانية لأجل 30 عاماً 3.835%، وهو من أعلى المستويات تاريخياً.

ومع توقعات رفع الفائدة من بنك اليابان في يونيو، يواجه اقتصاد يعاني ديوناً عامة تتجاوز 220% من الناتج المحلي الإجمالي ضغوطاً هائلة على إعادة التمويل والمصارف والتجارة النقدية العالمية (carry trade).
الذهب

بين الارتفاع التدريجي والاندفاع المنتظر

رغم الارتفاع التاريخي لأسعار الذهب بالين الياباني، لم يشهد الطلب المحلي على المعادن الثمينة قفزة كبيرة بعد.

يفسر التحليل ذلك بأن الارتفاع يعكس حتى الآن خسارة تدريجية في القوة الشرائية للعملات، وليس ذعراً نظامياً كاملاً.

في اليابان وبريطانيا، لا يزال المستثمرون يثقون نسبياً في قدرة البنوك المركزية على السيطرة، ويبحثون أولاً عن السيولة والدولار.

لكن التاريخ يعلّم أن الاندفاع الكبير نحو الذهب يحدث عادة في مراحل متقدمة من الدورة، عندما يدرك المستثمرون أن البنوك المركزية محاصرة، وأن أسعار الفائدة الحقيقية ستبقى سلبية، وأن “النقود نفسها أصبحت الأصل الخطر”.

اليوم يرتفع الذهب كعَرَض للتدهور النقدي التدريجي.. غداً قد يصبح أصلاً لعدم الثقة النظامية. والانتقال النفسي هذا هو ما لم يكتمل بعد في الأسواق الغربية التقليدية، بينما تظل الدول مثل الصين والهند وتركيا أكثر ارتباطاً ثقافياً ومدنياً بالذهب.

يظل الذهب، في هذه البيئة من مخاطر الديون السيادية المتجددة، مرشحاً قوياً لدور أكثر أهمية في المحافظ الاستثمارية خلال الدورة المقبلة.

 

تم نسخ الرابط