مخاوف التضخم تعصف بالملاذ الآمن
الضربات الأمريكية على إيران تهدد استقرار أسواق الطاقة وتدفع المستثمرين نحو الدولار
شهدت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً خلال تعاملات الأربعاء، حيث محت مكاسب الجلسة السابقة، وذلك في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بعد ضربات أمريكية جديدة على إيران.
يأتي هذا التراجع مع تزايد المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار ضغوط التضخم العالمي، مما يضعف جاذبية المعدن النفيس كملاذ آمن تقليدي.
وفقاً للبيانات السوقية، انخفض سعر الذهب بنسبة تصل إلى 0.9% ليصل إلى حوالي 4025 دولاراً للأونصة، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ جولة جديدة من الضربات العسكرية ضد أهداف إيرانية.
وقد تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتكثيف الهجمات حتى تتوقف طهران عن مهاجمة السفن في مضيق هرمز، وتوافق على إعادة فتح الممر الملاحي الحيوي.
انهيار اتفاق السلام المؤقت وتداعياته الاقتصادية
يُعد هذا التطور بمثابة ضربة قاسية لاتفاق السلام المؤقت الذي تم توقيعه الشهر الماضي، والذي كان قد أثار آمالاً بتهدئة التوترات في المنطقة.
ومع انهياره، ارتفعت المخاوف من تعطل إمدادات النفط العالمية، خاصة مع أهمية مضيق هرمز كممر رئيسي لنقل الخام.
وقد أدى ذلك إلى تحول اهتمام المستثمرين نحو الدولار الأمريكي كملاذ آمن بديل، مما ساهم في ارتفاع مؤشر الدولار بنسبة 0.1%.
كما شهدت المعادن النفيسة الأخرى تراجعاً، حيث انخفض الفضة بنسبة 1.4% إلى 57 دولاراً للأونصة، بينما تراجعت أسعار البلاتين والبلاديوم أيضاً.
أداء الذهب في 2026.. من القمة إلى القاع
يأتي هذا التراجع في سياق أداء ضعيف للذهب خلال الربع الثاني من عام 2026، حيث خسر نحو 14% من قيمته، مسجلاً أسوأ أداء فصلي له منذ عام 2013. وقد استقر السعر حالياً قرب مستوى 4000 دولار للأونصة، بعد أن كان قد بلغ قمة تاريخية قريبة من 5600 دولار في يناير الماضي، ليفقد نحو 26% من قيمته منذ ذلك الحين.
ويرجع هذا الهبوط الكبير إلى توقعات رفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لمواجهة التضخم الناتج عن الاضطرابات الجيوسياسية، مما يزيد من التكلفة الفرصية لحيازة الذهب الذي لا يدر عوائد.
بيانات التضخم الأمريكية.. بارقة أمل مؤقتة؟
رغم التوترات، أظهرت بيانات التضخم الأمريكية الأساسية لشهر يونيو تباطؤاً أكبر مما كان متوقعاً، مما يشير إلى تخفيف بعض الضغوط قبل اندلاع الأزمة الجديدة في الشرق الأوسط. غير أن المحللين يرون أن هذا التحسن قد يكون قصير الأمد، خاصة مع استمرار مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش أن رفع أسعار الفائدة يظل خياراً مطروحاً للسيطرة على التضخم، لكنه أبدى استعداداً للصبر والمرونة. وفي جلسة مع المشرعين، نفى أن يكون الاستثمار الضخم في الذكاء الاصطناعي هو السبب الرئيسي في ارتفاع التضخم، مؤكداً استقلالية البنك المركزي.
أما أعضاء آخرون في اللجنة الفيدرالية، فقد أعربوا عن آراء متباينة. فقد أعلنت الحاكمة ليزا كوك استعدادها للتحرك السريع إذا لم تظهر مؤشرات على تباطؤ التضخم، بينما اعتبر رئيس فرع نيويورك جون ويليامز أن المستويات الحالية للفائدة “مناسبة جيداً” لتحقيق هدف البنك البالغ 2%.
توقعات المحللين.. هل يعود الذهب للصعود؟
رغم التراجع الحالي، يرى محللو بنك مورغان ستانلي إمكانية عودة أسعار الذهب للارتفاع، بشرط أن يمتنع الاحتياطي الفيدرالي عن رفع إضافي لأسعار الفائدة. ويُعد هذا الهبوط الحالي (أكثر من 25%) الخامس فقط من نوعه منذ عام 1960، مما يجعله حدثاً نادراً في تاريخ المعدن النفيس.
يبقى الذهب خاضعاً لتأثير مزيج معقد من العوامل الجيوسياسية والنقدية. ومع استمرار التوتر في الشرق الأوسط، قد تشهد الأسواق تقلبات حادة في الأيام المقبلة، حيث يحاول المستثمرون تقييم التوازن بين المخاطر الجيوسياسية والسياسات النقدية للبنوك المركزية.
تابعوا التطورات.. فالأزمة الحالية قد تكون بداية لمرحلة جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي، حيث تتقاطع فيها حسابات السياسة الخارجية مع مصالح الأسواق المالية.