أمريكا تشتعل اقتصاديا.. هل يهدد الفيدرالي مستقبل الأسواق؟

الاحتياطي الفيدرالي
الاحتياطي الفيدرالي

تتسع دائرة الجدل في الولايات المتحدة حول دور مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وسط انتقادات متزايدة تتهمه بتوسيع نفوذه على حساب الكفاءة الاقتصادية للأسواق، في وقت تتصاعد فيه الدعوات لإعادة هيكلة سياساته وتقليص ميزانيته العمومية الضخمة.

وبحسب مقال رأي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” للخبير الاقتصادي ديفيد مالباس، الرئيس السابق للبنك الدولي، فإن مؤسسات الحكومة الفيدرالية تميل بطبيعتها إلى التوسع المستمر في الصلاحيات والموارد، وهو ما ينطبق – وفق رأيه – على الاحتياطي الفيدرالي الذي تحول من مؤسسة نقدية تقليدية إلى لاعب رئيسي في أسواق المال العالمية.

ميزانية عمومية ضخمة ونفوذ متزايد

يشير مالباس إلى أن الفيدرالي يدير ميزانية عمومية تبلغ نحو 6.8 تريليون دولار، ما يجعله أحد أكبر الكيانات المالية عالميًا، متفوقًا بشكل كبير على كبرى البنوك التجارية مثل “جي بي مورغان”، مع جهاز إداري يضم مئات الاقتصاديين، إلى جانب مشروعات إنفاق ضخمة تشمل تطوير مقراته.

ويرى أن هذا التوسع يعكس ما وصفه بـ”تمدد المهام”، حيث أصبح البنك المركزي لاعبًا مباشرًا في أسواق السندات واتفاقيات إعادة الشراء وسوق الإقراض بين البنوك، بدلًا من اقتصاره على السياسة النقدية التقليدية.

انتقادات لأثر السياسات النقدية

ويؤكد مالباس أن توسع دور الفيدرالي أدى إلى تشوهات في تخصيص رؤوس الأموال، إذ تم توجيه السيولة نحو سندات الخزانة بدلًا من تمويل الشركات الصغيرة ورأس المال التشغيلي، مشيرًا إلى أن ذلك أضعف الابتكار وأبطأ النمو في قطاعات إنتاجية رئيسية.

كما انتقد ما وصفه بتكبد الفيدرالي خسائر بمئات المليارات نتيجة استثمارات في السندات، إلى جانب تأثير سياساته في إضعاف سوق الإقراض بين البنوك، وتراجع ديناميكيات السوق الحرة في تسعير المخاطر.

دفاع رسمي مقابل دعوات للإصلاح

في المقابل، يدافع مسؤولون داخل الاحتياطي الفيدرالي عن هذا التوسع، معتبرين أن حجمه الكبير يعزز استقرار النظام المصرفي ويساعد على كفاءة أسواق النقد، وفق تصريحات عضو مجلس المحافظين مايكل بار.

لكن مالباس يرى أن هذه الرؤية لا تعكس الواقع، مؤكدًا أن تضخم الميزانية العمومية يضع البنك المركزي في موقع شبه احتكاري لإدارة السيولة، ما يقلل من كفاءة الأسواق ويحد من المنافسة.

جذور الأزمة تعود إلى 2008

ويربط التقرير هذا التوسع بالصلاحيات التي مُنحت للفيدرالي عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتي سمحت له بشراء كميات ضخمة من السندات ودفع فوائد على الاحتياطيات البنكية، ما أدى إلى تضخم ميزانيته وتعميق دوره في السياسة المالية.

كما أشار إلى أن استمرار هذا النهج ساهم في تقلبات بين التضخم والانكماش، إضافة إلى أزمات مصرفية بارزة مثل انهيار بنك “سيليكون فالي”.

التكنولوجيا والضغوط الجديدة

ويحذر المقال من أن استمرار الهيمنة النقدية للفيدرالي قد يبطئ من تطور الابتكار المالي، في وقت تتسارع فيه تقنيات “البلوك تشين” وأنظمة الدفع الرقمية والعملات المستقرة، خاصة مع المنافسة المتزايدة من الصين في هذا المجال.

دعوات لتقليص الدور

يدعو مالباس إلى تقليص ميزانية الفيدرالي بشكل كبير، معتبرًا أن ذلك سيعيد للأسواق قدرتها على التسعير التنافسي، ويفتح المجال أمام البنوك للابتكار بعيدًا عن الاعتماد على البنك المركزي.

كما يرى أن هذا التغيير قد يساهم في خفض أسعار الفائدة، وتحسين قوة الدولار، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

انقسام حول مستقبل السياسة النقدية

ويختتم التقرير بالإشارة إلى وجود انقسام واسع داخل دوائر صنع القرار الأميركية، بين من يدعم استمرار التوسع في دور الفيدرالي باعتباره ضمانة للاستقرار، وبين من يرى أن هذا التوسع يمثل عبئًا متزايدًا على الاقتصاد.

وبين هذين الاتجاهين، تبقى السياسة النقدية الأميركية في قلب نقاش اقتصادي عالمي متصاعد، مع تزايد التساؤلات حول مستقبل دور البنوك المركزية في إدارة الاقتصاد الحديث.

لمتابعة أسعار الذهب:

تم نسخ الرابط