أسعار الذهب والفضة تتراجع عالميًا رغم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط
شهدت أسعار الذهب والفضة العالمية تراجعًا ملحوظًا خلال ختام تعاملات الإثنين 1 يونيو 2026، في ظل حالة من الترقب والحذر التي تسيطر على الأسواق المالية العالمية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، واستمرار المخاوف بشأن ارتفاع معدلات التضخم وتأثيرها على توجهات البنوك المركزية الكبرى خلال الفترة المقبلة.
وجاء انخفاض أسعار المعادن النفيسة وفقا لما اطلعت عليه الصاغة رغم تصاعد الأحداث العسكرية في المنطقة، حيث يراقب المستثمرون عن كثب تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب عليها من تداعيات اقتصادية ومالية واسعة النطاق قد تؤثر على أسواق الطاقة والمعادن والعملات حول العالم.
الذهب يتراجع مع تنامي توقعات استمرار الفائدة المرتفعة
سجلت العقود الآجلة للذهب تسليم أغسطس انخفاضًا خلال جلسة الإثنين، لتغلق عند مستوى 4506.30 دولار للأوقية، متراجعة بنحو 86.70 دولار، بما يعادل انخفاضًا نسبته 1.88% مقارنة بمستويات الإغلاق السابقة.
ويأتي هذا التراجع في وقت تتزايد فيه التوقعات بأن البنوك المركزية العالمية، وعلى رأسها البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، قد تضطر إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول من المتوقع، بهدف احتواء الضغوط التضخمية التي قد تتفاقم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية الحالية.
ورغم أن الذهب يُعرف تقليديًا بأنه أحد أهم الملاذات الآمنة التي يلجأ إليها المستثمرون خلال فترات عدم اليقين السياسي والاقتصادي، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلل من جاذبيته الاستثمارية، نظرًا لكونه أصلًا لا يدر عوائد أو فوائد دورية مقارنة بالأدوات المالية الأخرى.
أسعار الفضة تتراجع بالتزامن مع هبوط الذهب
لم تكن الفضة بمنأى عن الضغوط التي تعرضت لها أسواق المعادن الثمينة، حيث تراجعت العقود الآجلة للفضة تسليم يونيو لتسجل عند التسوية مستوى 75.007 دولار للأوقية، منخفضة بنحو 0.609 دولار، بما يمثل تراجعًا بنسبة 0.81%.
ويعكس أداء الفضة حالة الحذر السائدة بين المستثمرين الذين يوازنون بين المخاطر الجيوسياسية الحالية والتوقعات الخاصة بالسياسات النقدية العالمية، خاصة أن الفضة تتأثر ليس فقط بعوامل الاستثمار والتحوط، وإنما أيضًا بالطلب الصناعي العالمي.
التوترات بين الولايات المتحدة وإيران تزيد حالة عدم اليقين
جاءت تحركات الأسواق بعد تصاعد الأحداث في الشرق الأوسط، حيث شنت إيران هجومًا استهدف قاعدة جوية أمريكية عقب الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة خلال عطلة نهاية الأسبوع ضد مواقع عسكرية إيرانية.
وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير إعلامية إيرانية إلى توقف تبادل الرسائل والمباحثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن عبر الوسطاء، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق التوترات وعودة التصعيد العسكري إلى الواجهة مجددًا.
وتتابع الأسواق العالمية هذه التطورات باهتمام بالغ نظرًا لما قد تسببه من تأثيرات مباشرة على حركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ارتفاع أسعار النفط ينعش المخاوف التضخمية
في المقابل، واصلت أسعار النفط العالمية تحقيق المكاسب مدفوعة بالمخاوف من تأثير التوترات الجيوسياسية على الإمدادات النفطية في المنطقة، وهو ما أدى إلى زيادة القلق بشأن عودة موجة تضخمية جديدة قد تدفع البنوك المركزية إلى التمسك بسياساتها النقدية المتشددة.
ويعد ارتفاع أسعار النفط من أبرز العوامل التي تؤثر على معدلات التضخم عالميًا، نظرًا لانعكاسه المباشر على تكاليف النقل والإنتاج والطاقة، وهو ما يرفع الضغوط على صناع القرار النقدي ويجعل خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة خلال الفترة المقبلة.
كما زادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حالة الترقب في الأسواق، بعدما أكد أنه لا يمانع وقف المحادثات مع إيران، الأمر الذي أضاف مزيدًا من الغموض بشأن مستقبل العلاقات بين البلدين وإمكانية التوصل إلى حلول دبلوماسية للأزمة الحالية.
الأسواق تترقب بيانات الوظائف الأمريكية
إلى جانب التطورات الجيوسياسية، يركز المستثمرون اهتمامهم هذا الأسبوع على مجموعة من البيانات الاقتصادية الأمريكية المهمة، وعلى رأسها تقارير سوق العمل والوظائف غير الزراعية، والتي تعد من أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في تقييم أوضاع الاقتصاد الأمريكي واتخاذ قرارات السياسة النقدية.
ومن المتوقع أن تلعب نتائج هذه البيانات دورًا رئيسيًا في تحديد اتجاهات الأسواق خلال الأيام المقبلة، سواء بالنسبة لأسعار الذهب والفضة أو أسواق الأسهم والعملات، خاصة في ظل استمرار الجدل حول توقيت أي تخفيضات محتملة في أسعار الفائدة الأمريكية.
لماذا تراجعت أسعار الذهب رغم تصاعد التوترات؟
يرى محللون أن التراجع الحالي في أسعار الذهب يعود إلى تغلب تأثير توقعات الفائدة المرتفعة على عامل الملاذ الآمن. فعلى الرغم من أن التوترات الجيوسياسية عادة ما تدعم الطلب على الذهب، فإن المستثمرين يضعون في حساباتهم أيضًا احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة، وهو ما يزيد من تكلفة الاحتفاظ بالمعدن النفيس مقارنة بالأصول المدرة للعائد.
وبينما تبقى التطورات السياسية والعسكرية عاملًا مؤثرًا في حركة الأسواق، فإن اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بشكل كبير بمسار التضخم العالمي وقرارات البنوك المركزية وبيانات الاقتصاد الأمريكي، التي ستحدد ملامح السياسة النقدية خلال النصف الثاني من عام 2026.

