سياسة التضييق الكمي (QT).. كيف يسحب الاحتياطي الفيدرالي السيولة من الأسواق لمواجهة التضخم؟

السياسة النقدية
السياسة النقدية

يُعد التضييق الكمي أو التشديد الكمي (Quantitative Tightening - QT) أحد أهم أدوات السياسة النقدية التي تستخدمها البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بهدف تقليل حجم الأموال المتداولة في الاقتصاد وسحب جزء من السيولة الموجودة في الأسواق المالية، خاصة عندما ترتفع معدلات التضخم بشكل يهدد الاستقرار الاقتصادي.

وتأتي هذه السياسة باعتبارها عكس  التيسير الكمي (Quantitative Easing - QE)، الذي تلجأ إليه البنوك المركزية في فترات الأزمات لتحفيز الاقتصاد عبر ضخ السيولة وشراء السندات والأصول المالية.

الصاغة : ما هو التضييق الكمي (QT)؟

التضييق الكمي هو إجراء نقدي يقوم خلاله الاحتياطي الفيدرالي بتقليص حجم ميزانيته العمومية من خلال تقليل حيازاته من السندات الحكومية والأوراق المالية، وذلك إما عبر بيع هذه الأصول في الأسواق أو السماح لها بالاستحقاق دون إعادة استثمار قيمتها مرة أخرى.

ويؤدي هذا الإجراء إلى سحب الأموال من النظام المالي، وتقليل كمية السيولة المتاحة لدى البنوك والمستثمرين، وهو ما يرفع تكلفة الاقتراض ويحد من الإنفاق والاستثمار بهدف تهدئة الاقتصاد والسيطرة على التضخم.

كيف يعمل التضييق الكمي؟

يعتمد الاحتياطي الفيدرالي على أدوات مختلفة لتحقيق هدفه الأساسي، وهو الحفاظ على استقرار الأسعار مع دعم التوظيف والنمو الاقتصادي.

وعندما ترتفع معدلات التضخم بصورة كبيرة، يبدأ البنك المركزي عادة برفع أسعار الفائدة، مما يجعل الاقتراض أكثر تكلفة بالنسبة للأفراد والشركات. فارتفاع أسعار الفائدة يؤدي إلى زيادة تكلفة القروض العقارية وقروض الشركات، وهو ما يقلل الطلب على السلع والخدمات ويخفف الضغوط السعرية.

لكن رفع الفائدة ليس الأداة الوحيدة، إذ يستخدم الاحتياطي الفيدرالي أيضاً سياسة التضييق الكمي من خلال تقليص محفظته من السندات.

فعندما يبيع البنك المركزي السندات أو يتوقف عن إعادة شراء السندات التي تنتهي آجالها، تزداد كمية السندات المتاحة في الأسواق، ومع ارتفاع المعروض منها يطالب المستثمرون بعوائد أعلى لشرائها، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق المالية.

تأثير التضييق الكمي على الاقتصاد

يؤثر التضييق الكمي على الاقتصاد عبر عدة قنوات رئيسية:

تقليل السيولة المتاحة في الأسواق المالية.
رفع تكلفة الاقتراض على الأفراد والشركات.
تقليل الطلب على الاستهلاك والاستثمار.
تهدئة ارتفاع أسعار الأصول مثل الأسهم والعقارات.
المساعدة في خفض معدلات التضخم.

فعندما تصبح الأموال أكثر تكلفة وأقل وفرة، يميل المستهلكون إلى تقليل الإنفاق، كما تصبح الشركات أكثر حذراً في التوسع والاستثمار، وهو ما يساعد نظرياً على إعادة التوازن بين العرض والطلب.

العلاقة بين التضخم والتضييق الكمي

يُعد التضخم جزءاً طبيعياً من أي اقتصاد صحي، لكن المشكلة تظهر عندما يرتفع بوتيرة أسرع من نمو الأجور والدخل.

فعلى سبيل المثال، إذا كان دخل شخص ما ثابتاً بينما ترتفع أسعار الغذاء والطاقة والخدمات بشكل مستمر، فإن قدرته الشرائية تنخفض، ويصبح غير قادر على شراء نفس كمية السلع والخدمات التي كان يحصل عليها سابقاً.

ويرى كثير من الاقتصاديين أن معدل تضخم سنوي قريب من 2% يعد هدفاً مناسباً لمعظم الاقتصادات المتقدمة، بينما تؤدي المستويات المرتفعة والمستمرة إلى ضغوط كبيرة على المستهلكين والأسواق.

الفرق بين التضييق الكمي والتخفيض التدريجي

رغم التشابه بين المصطلحين، فإن هناك فرقاً مهماً بين التضييق الكمي والتخفيض التدريجي.

التخفيض التدريجي (Tapering) هو المرحلة التي يقلل فيها الاحتياطي الفيدرالي من وتيرة شراء الأصول ضمن برنامج التيسير الكمي، لكنه لا يزال يضيف أصولاً إلى ميزانيته العمومية، وإن بمعدل أقل.

أما التضييق الكمي فهو المرحلة التالية، حيث تبدأ الميزانية العمومية للبنك المركزي في الانكماش فعلياً من خلال تقليل حجم الأصول التي يمتلكها.

بمعنى آخر، يأتي التخفيض التدريجي قبل التضييق الكمي، وهو يمثل الانتقال من مرحلة ضخ السيولة إلى مرحلة سحبها.

مثال عملي على استخدام التضييق الكمي

بعد التوسع الكبير في برامج التيسير الكمي خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 وأزمة جائحة كورونا، ارتفعت ميزانية الاحتياطي الفيدرالي إلى مستويات قياسية قاربت 9 تريليونات دولار.

ومع تصاعد التضخم في عام 2022، بدأ الاحتياطي الفيدرالي برنامجاً لتقليص ميزانيته العمومية بالتزامن مع رفع أسعار الفائدة، حيث سمح بانتهاء آجال بعض السندات التي يمتلكها دون إعادة استثمار قيمتها.

وكان الهدف من هذه الخطوة تقليل كمية الأموال المتدفقة في الأسواق وإعادة السياسة النقدية إلى مستويات أكثر تشدداً بعد سنوات من ضخ السيولة لدعم الاقتصاد.

مخاطر سياسة التضييق الكمي

رغم أن التضييق الكمي يساعد في السيطرة على التضخم، فإنه يحمل بعض المخاطر، أبرزها احتمال حدوث اضطرابات في الأسواق المالية.

فالسحب السريع للسيولة قد يؤدي إلى:

انخفاض أسعار الأسهم والسندات.
ارتفاع تكاليف التمويل على الشركات.
تباطؤ النمو الاقتصادي.
زيادة احتمالات الركود.

وقد ظهرت مخاوف مشابهة عام 2013 عندما أشار الاحتياطي الفيدرالي إلى احتمال تقليص برنامج شراء الأصول، وهو ما أدى إلى اضطرابات في الأسواق عُرفت باسم "نوبة الغضب من تقليص التحفيز" (Taper Tantrum).

التضييق الكمي مقابل التيسير الكمي

التيسير الكمي هو سياسة توسعية تهدف إلى دعم الاقتصاد من خلال شراء السندات وضخ الأموال في النظام المالي، مما يؤدي غالباً إلى خفض أسعار الفائدة وتشجيع الاقتراض والاستثمار.

أما التضييق الكمي فهو سياسة انكماشية تعمل في الاتجاه المعاكس، حيث تقلل حجم الأموال المتداولة وترفع تكلفة التمويل بهدف السيطرة على التضخم.

يمثل التضييق الكمي أداة مهمة في يد الاحتياطي الفيدرالي لإدارة الاقتصاد عندما ترتفع معدلات التضخم بشكل مفرط. فمن خلال تقليص الميزانية العمومية وسحب السيولة من الأسواق، يحاول البنك المركزي تهدئة الطلب وخفض الضغوط السعرية.

لكن نجاح هذه السياسة يعتمد على التوازن الدقيق بين مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار الأسواق والنمو الاقتصادي، لأن تقليص السيولة بشكل مبالغ فيه قد يؤدي إلى تباطؤ حاد أو اضطرابات مالية.
 

 لمتابعة أخبار موقع الصاغة:


 

اقرأ أيضا

 

 الاقتصاد الأمريكي.. كيف يجمع أكبر اقتصاد في العالم بين الرأسمالية وتدخل الدولة؟


 

تم نسخ الرابط