بنك الاحتياطي الهندي يبيع ذهب بقيمة 12 مليار دولار لحماية احتياطياته الأجنبية
بنك الاحتياطي الهندي يبيع ذهب بقيمة 12 مليار دولار .. في تطور اقتصادي لافت يعكس مدى الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الهندي حالياً، أشارت تحليلات اقتصادية صادرة عن وكالة بلومبرغ إلى أن بنك الاحتياطي الهندي ربما لجأ إلى بيع جزء كبير من احتياطياته من الذهب خلال فترة زمنية قصيرة، وذلك بهدف تعزيز احتياطياته من العملات الأجنبية السائلة وحمايتها من التداعيات الناتجة عن التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
بنك الاحتياطي الهندي يبيع ذهب بقيمة 12 مليار دولار
وفقاً للتحليل الذي أعده الاقتصادي الكبير في بلومبرغ إيكونوميكس أبيشيك غوبتا، والذي اطلعت عليه الصاغة فإن البنك المركزي الهندي قام على الأرجح ببيع ذهب بقيمة تصل إلى نحو 12 مليار دولار خلال أسبوعين فقط حتى 22 مايو 2025، في حين اشترى أصولاً بعملات أجنبية بقيمة 7.5 مليار دولار في الفترة نفسها.
ويأتي هذا التحرك المحتمل رغم قرار الحكومة الهندية برفع الرسوم الجمركية على واردات الذهب، وهو قرار كان من شأنه أن يدعم قيمة المعدن النفيس داخل خزائن البنك، مما يجعل انخفاض قيمة الاحتياطيات الذهبية مؤشراً على نية واضحة لتحويل جزء منها إلى سيولة دولارية.
يبرز هذا التحرك المفترض قلق صناع السياسة النقدية في الهند إزاء الضغوط المتعددة التي تتعرض لها الاحتياطيات الأجنبية، خاصة مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما ترتب عليها من ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية.
وتُعد الهند ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، لذا فإن أي اضطراب في إمدادات الطاقة، مثل ما حدث مع الاشتباكات المتعلقة بإيران وإغلاق مضيق هرمز بشكل فعلي، يؤدي مباشرة إلى زيادة فاتورة الواردات بالدولار الأمريكي واستنزاف أكبر للاحتياطيات الأجنبية.
بالإضافة إلى ذلك، يواجه الاقتصاد الهندي تدفقات رأسمالية خارجة مستمرة من الأسواق الناشئة، إلى جانب توسع في عجز الحساب الجاري، وهو ما يضغط بقوة على قيمة الروبية الهندية.
ورغم التدخلات المكثفة التي قام بها بنك الاحتياطي الهندي في سوق الصرف الأجنبي، إلا أن العملة المحلية واصلت مسارها التراجعي، حيث سجلت سعراً عند 95.17 روبية مقابل الدولار في تعاملات يوم الثلاثاء، مسجلة انخفاضاً بنسبة 0.2% خلال يوم واحد. ومع ذلك، نجحت الروبية في التفوق نسبياً على معظم عملات الدول الآسيوية الأخرى منذ 20 مايو، وهو اليوم الذي بلغت فيه أدنى مستوى تاريخي لها.
من جانبه، يبدو أن المحافظ الجديد للبنك المركزي الهندي سانجاي مالوترا يدرس بعناية كل الخيارات المتاحة أمامه لتحقيق الاستقرار في العملة المحلية، بما في ذلك إمكانية رفع أسعار الفائدة أو جذب المزيد من الدولارات من خلال المستثمرين الأجانب، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات إضافية لدعم الاحتياطيات.
ولم تقتصر الجهود الحكومية على البنك المركزي فحسب، بل قامت الحكومة الهندية برفع أسعار الوقود بشكل ملحوظ، ومضاعفة الرسوم الجمركية على واردات المعادن الثمينة بما فيها الذهب لأكثر من الضعف. ومن المتوقع أن تكشف السلطات عن حزمة إجراءات جديدة خلال الأيام القليلة المقبلة بهدف دعم الروبية وتخفيف الضغوط على الاقتصاد.
ويتوقع الاقتصادي أبيشيك غوبتا أن يستمر بنك الاحتياطي الهندي في جهوده لإعادة بناء احتياطياته من العملات الأجنبية كلما سمحت الظروف بذلك، سواء من خلال فترات ضعف الدولار الأمريكي أو عودة تدفقات رأس المال الأجنبي أو انخفاض أسعار النفط العالمية.
أما على صعيد احتياطيات الذهب، فقد أوضح آخر تقرير نصف سنوي صادر عن البنك في أبريل الماضي أن حجم الاحتياطيات الذهبية للهند بلغ 880.52 طن متري حتى نهاية مارس، وأن نسبة 77% من هذه الكمية محفوظة داخل الهند مقارنة بنسبة 66% قبل ستة أشهر فقط. ويعكس هذا الاتجاه الواضح نحو إعادة الذهب إلى البلاد مخاوف متزايدة لدى البنوك المركزية في الأسواق الناشئة بشأن سلامة أصولها الموجودة في الخارج، خاصة بعد تجميد الغرب لأصول روسيا عقب غزو أوكرانيا. ويحتفظ البنك بمعظم احتياطياته الذهبية الموجودة خارج الهند لدى بنك إنجلترا وبنك التسويات الدولية.
ومن الناحية الاستراتيجية، يمثل بيع الذهب في مثل هذه الظروف تحولاً مهماً في أولويات البنك المركزي، حيث يفضل حالياً الحصول على سيولة فورية بالعملات الأجنبية، وخاصة الدولار، على الاحتفاظ بالذهب الذي قد يكون أقل سيولة في أوقات الأزمات الحادة رغم ارتفاع قيمته السوقية. هذا النهج يعكس أولوية حماية استقرار العملة والقدرة على التدخل السريع في سوق الصرف الأجنبي.
ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر طويلة الأمد، لأن أسعار الذهب العالمية شهدت ارتفاعاً قوياً في السنوات الأخيرة كونها تعتبر ملاذاً آمناً تقليدياً في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.
في الوقت الراهن، يواجه الاقتصاد الهندي اختباراً حقيقياً وصعباً، حيث تحولت الحرب في الشرق الأوسط من مجرد أزمة إقليمية إلى تهديد مباشر يمس استقرار العملة الهندية واحتياطيات البلاد من العملة الصعبة. ورغم أن بنك الاحتياطي الهندي يتحرك بحذر وسرعة لحماية الاقتصاد، فإن نجاح هذه الجهود يظل مرهوناً بتطورات الأوضاع في الخليج ومدى قدرة الحكومة على احتواء التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة.
وستبقى الأنظار مشدودة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة على تحركات بنك الاحتياطي الهندي ومستوى الروبية وأسعار النفط العالمية، إذ يبدو أن المشهد الاقتصادي لا يزال مفتوحاً على العديد من الاحتمالات والتطورات غير المتوقعة.

