استراتيجية ترامب بين استعراض القوة ومخاطر التحول في النظام الدولي
استعراض القوة وتحول بوصلة الأولويات
بوجود أسطول بحري في منطقة الكاريبي وآخر قبالة سواحل إيران، لا يتردد دونالد ترامب في إظهار الاستعداد لاستخدام القوة. غير أن الإشكالية لا تكمن في التحركات العسكرية ذاتها، بل في احتمال إغفال الدور التقليدي للقوة الأمريكية كأداة ردع تمنع اندلاع صراعات كبرى في المناطق الأكثر أهمية للاقتصاد العالمي.
على مدار أكثر من عقد، دعا الاستراتيجيون الأمريكيون إلى التوجه نحو آسيا، باعتبارها مركز النمو الاقتصادي العالمي، حيث يُتوقع أن يصل حجم اقتصادها إلى نحو 55 تريليون دولار خلال السنوات المقبلة. هذا التوجه يفرض على الولايات المتحدة تعزيز تحالفاتها لمواجهة الصين، كما يتطلب منها الحفاظ على صورة الدولة الملتزمة بالقواعد الدولية إذا أرادت إقناع الآخرين باحترامها.
منطق القوة ومفهوم مناطق النفوذ
أبدى ترامب استعدادًا لاستخدام الضغط حتى ضد الحلفاء، سواء عبر مطالبات إقليمية أو تهديدات تجارية، حتى وإن لم تُنفذ جميع هذه التهديدات فعليًا. وتتبنى إدارته رؤية أقرب إلى منطق القوة الصرف، حيث تُختزل العلاقات الدولية في توازنات نفوذ، مع إشارات إلى عالم يقوم على مناطق نفوذ واضحة تبدأ بتكريس الهيمنة الأمريكية داخل محيطها الجغرافي.
ويرى أنصار هذه السياسة أنها تضع مواجهة الصين في قلب الاستراتيجية الأمريكية، وتبعث برسائل ردع إلى بكين وموسكو، كما تدفع الأوروبيين لتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع. ويذهب بعضهم إلى اعتبار ذلك نواة استراتيجية كبرى تهدف إلى عزل الصين عن حلفائها في روسيا وإيران.
مخاطر توسع منطق النفوذ
غير أن منطق مناطق النفوذ لا يقتصر على طرف واحد. فالصين عازمة على فرض سيطرتها على تايوان وبحر الصين الجنوبي، فيما تخشى دول الجناح الشرقي لحلف الناتو من أطماع روسية محتملة. هذه المناطق تمثل أهمية استراتيجية واقتصادية تفوق بكثير مناطق التركيز في نصف الكرة الغربي، ما يعني أن أي صراع هناك ستكون له تداعيات عالمية يصعب احتواؤها.
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن حربًا حول تايوان قد تكلف الاقتصاد العالمي أكثر من 10 تريليونات دولار، وهو رقم يفوق تداعيات جائحة كورونا والأزمة المالية العالمية. كما تمر عبر بحر الصين الجنوبي تجارة سنوية تُقدَّر بنحو 4 تريليونات دولار. وحتى في أوروبا، فإن أي مساس بأمن دول البلطيق سيُحدث شرخًا في المظلة الأمنية التي ازدهرت خلفها القارة لعقود.
تهديدات متكررة وتراجع في الثقة
رغم أن العديد من تهديدات ترامب لم تتحقق بالكامل، سواء في ملف غرينلاند أو في تطبيق التعريفات الجمركية، فإن تكرار التصعيد والتراجع خلق حالة من عدم اليقين. الأسواق باتت تأخذ هذه التراجعات في الحسبان، لكن الحلفاء لا يملكون رفاهية الاطمئنان إلى أن كل تهديد سينتهي بالتراجع نفسه. هذا المناخ يضعف الثقة ويزيد من حسابات التحوط لدى الشركاء التقليديين.
الشرق الأوسط بين الانسحاب والتصعيد
في الوقت الذي تحدث فيه قادة أمريكيون مرارًا عن تقليص الوجود في الشرق الأوسط، تلوح في الأفق احتمالات تصعيد جديد مع إيران. أي مواجهة عسكرية قد تدفع طهران إلى إغلاق مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية للطاقة، ما قد يرفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل. ورغم وجود محاولات دبلوماسية لاحتواء الأزمة، فإن خيار التصعيد يظل قائمًا، وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى خوض حرب جديدة في منطقة يعتبرها البعض تشتيتًا استراتيجيًا عن آسيا.
الأهمية الاقتصادية المتغيرة
التوقعات الاقتصادية حتى عام 2035 تعكس ثقل آسيا المتزايد، إذ يُنتظر أن يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 55 تريليون دولار، مقارنة بنحو 37 تريليون دولار لأوروبا، في حين يبقى نصيب الأمريكتين دون الولايات المتحدة أقل بكثير، وكذلك الشرق الأوسط وأفريقيا. هذه الأرقام تعزز فكرة أن مركز الثقل العالمي يتحول شرقًا، وأن تجاهل هذه الحقيقة قد يحمل كلفة استراتيجية باهظة.
تناقضات في السياسة تجاه آسيا
رغم تأكيد الاستراتيجية الأمريكية على أهمية آسيا كساحة المعركة الاقتصادية والجيوسياسية الأبرز، فإن السياسات العملية أظهرت تناقضات واضحة. فقد دخلت الإدارة في نزاعات جمركية مع اليابان وكوريا الجنوبية والهند، وهي من أهم شركاء الولايات المتحدة في المنطقة. كما أثارت فكرة مطالبة تايوان بدفع مقابل للحماية الأمريكية قلقًا، في وقت تمثل فيه الجزيرة محورًا حيويًا لصناعة أشباه الموصلات عالميًا.
في المقابل، يتغير التوازن العسكري تدريجيًا، إذ تمتلك الصين أسطولًا بحريًا أكبر عددًا، بينما تعاني القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية من ضغوط متزايدة. هذا التحول قد يضعف قوة الردع ويزيد من احتمالات اختبار الصين للوضع القائم في تايوان.
تباعد الحلفاء وتآكل النظام القائم
بعض الحلفاء التقليديين بدأوا بالفعل في تنويع خياراتهم تحسبًا لسياسات أمريكية غير متوقعة. وبرزت أصوات من داخل المعسكر الغربي تشكك في استمرار فاعلية النظام القائم على القواعد، معتبرة أن العالم يدخل مرحلة قطيعة لا مجرد انتقال. هذا التحول يعكس قلقًا متزايدًا من عالم يتجه نحو الحصون والمناطق المغلقة، بما يحمله ذلك من هشاشة اقتصادية وسياسية.
حسابات الربح والخسارة
سواء في غرينلاند أو فنزويلا أو كوبا، تبدو حسابات الربح والخسارة معقدة. المكاسب الاقتصادية المحتملة محدودة أو مكلفة التحقيق، في حين قد تكون الخسائر السياسية والاستراتيجية أكبر، خصوصًا إذا أثرت في علاقات الولايات المتحدة مع أوروبا أو شركائها التجاريين الرئيسيين.
الهيمنة في عالم متعدد الأقطاب
في عالم يتجه نحو تعددية قطبية متزايدة، قد تحقق سياسات الضغط والمكاسب السريعة نتائج قصيرة الأجل، لكنها تواجه تحديات بنيوية على المدى الطويل. فكلما تعددت مراكز القوة، زادت قدرة الدول على تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تعزز هذه الاستراتيجية موقع واشنطن في النظام الدولي، أم تسرّع إعادة تشكيله بعيدًا عنها

