وداعاً للتبعية النفطية.. كيف أعادت دبي صياغة مستقبل أسواق المال في المنطقة؟

سوق دبي المالي
سوق دبي المالي

بينما تظل أسواق المال في المنطقة رهينة لتقلبات برميل النفط، وتترنح البورصات العالمية تحت وطأة فقاعات التكنولوجيا، شيدت دبي لنفسها 'جزيرة اقتصادية' محصنة، نجحت من خلالها في تحويل مسار الأسهم من التبعية للسلع إلى التبعية للنمو الحضري المستدام. 

وباعتمادها الكلي بنسبة 95% على قطاعات غير نفطية، لم تعد دبي مجرد سوقٍ إقليمي، بل تحولت إلى 'قاطرة استثمارية' ذاتية الدفع، استطاعت حصد مكاسب تراكمية بلغت 300% في ست سنوات، لتبعث برسالة حاسمة للمستثمرين: المستقبل هنا لا يكتبه الخام، بل يكتبه الابتكار والخدمات والتدفقات الرأسمالية العابرة للحدود.

مكاسب قياسية لـ سوق دبي المالي: 11% نمواً سنوياً

سجل مؤشر سوق دبي المالي العام ارتفاعاً يتجاوز 11 بالمئة منذ بداية العام وحتى إغلاق الأربعاء، في أقوى انطلاقة له منذ عام 2014، مستنداً إلى مكاسب تراكمية بلغت 300 بالمئة خلال السنوات الست الماضية. وبحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" واطلعت عليه سكاي نيوز عربية، فإن 95 بالمئة من الناتج المحلي لدبي يأتي من قطاعات غير نفطية، ما يعزز تفردها مقارنة بأسواق المنطقة التي تظل رهينة تقلبات الطاقة. وفي هذا الصدد، يرى دومينيك بوكور-إنجرام، مدير صناديق الأسواق الناشئة في "فييرا كابيتال"، أن قوة نموذج النمو غير النفطي في دبي تمثل "عامل تمييز جوهري" مقارنة بالأسواق المجاورة.

إشادة دولية بمسار التنويع الاقتصادي الإماراتي

في سياق متصل، أشادت كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، بصانعي السياسات في المنطقة، مؤكدة أن التنويع الاقتصادي تحول إلى واقع ملموس يقلص المخاطر الهيكلية. 

وخلال حديثها إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، أكدت غورغييفا أن نجاح الإمارات في رفع حصة الاقتصاد غير النفطي إلى 80 بالمئة يعكس "عملاً ممتازاً" في الابتعاد التدريجي عن الاعتماد على الهيدروكربونات، معتبرة أن هذا التحول يمنح أسواق المال في دبي حصانة ذاتية ضد تقلبات أسواق الطاقة.

محركات سوق دبي المالي: ثنائية البنوك والعقارات تقود المكاسب

تُظهر البيانات أن نحو 60 بالمئة من مكاسب السوق هذا العام تركزت في شركتي "إعمار العقارية" ومجموعة "الإمارات دبي الوطني". ويعزى ذلك، وفقاً لمحللين، إلى هوامش ربح قوية ونمو مطرد في الإقراض المصرفي، بالتوازي مع استمرار الزخم العقاري. ويشير التقرير إلى أن بنوك دبي وعقاراتها تقود ثورة اقتصادية تستفيد من نمو سكاني وسياحي ونشاط حضري انعكس بوضوح في نمو الإيرادات والأرباح.

توقعات النمو لعام 2026 والمخاطر المحتملة

في ظل توقعات صندوق النقد الدولي بنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 5 بالمئة في عام 2026، تتزايد التساؤلات حول آفاق استمرار الصعود. ويرى سيباستيان كالفيلد من شركة "DWS" أن غياب الاعتماد على السلع المتقلبة يمنح سوق دبي ميزة تنافسية، خاصة إذا تراجع الاهتمام العالمي بأسهم التكنولوجيا. كما أشار التقرير إلى أن أسهم دبي تُتداول عند 11 ضعفاً فقط من الأرباح المتوقعة، وهو تقييم أقل من نظيراتها في الأسواق الناشئة. 

وأكد حسنين مالك، رئيس استراتيجية الأسهم في "Tellimer"، أن مرونة اقتصاد دبي تدعم استمرار المكاسب في غياب صدمات أمنية أو ائتمانية عالمية.

دبي كمنصة تقنية عالمية و"وادي سيليكون" جديد

ولا تقتصر جاذبية الإمارة على المؤشرات المالية، إذ وصفت ستيلا لي، نائبة الرئيس التنفيذي لشركة "BYD" العالمية، دبي بأنها "وادي السيليكون العالمي الجديد"، مؤكدة أن بيئة الأعمال تمنح الشركات أفضلية تنافسية، وكاشفة عن اختيار دبي منصة لتحطيم أرقام قياسية عالمية في ابتكارات المستقبل.

رؤية الخبراء: تحول هيكلي عميق لا موجة مضاربة

قال الخبير الاقتصادي حسين القمزي، في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن ما يشهده سوق دبي المالي يعكس تحولاً اقتصادياً عميقاً وليس موجة مضاربة عابرة، مشيراً إلى أن الارتفاعات القياسية لم تأتِ نتيجة أسعار النفط بل بفعل نموذج اقتصادي غير نفطي أكثر تماسكاً. وأضاف أن القطاع المصرفي يسجل أرباحاً قوية مدعومة بهوامش فائدة مستقرة وجودة أصول جيدة، فيما يستفيد القطاع العقاري من تدفقات سكانية ورأسمالية حقيقية. 

وأوضح أن النمو غير النفطي أصبح المحرك الرئيسي عبر قطاعات السياحة والتجارة والخدمات المالية والتكنولوجيا واللوجستيات. وأشار إلى أن المخاطر المحتملة تتمثل في تباطؤ عالمي حاد أو تسارع غير منضبط في الأسعار العقارية أو تشديد مالي عالمي، لكنه اعتبرها مخاطر دورية وليست هيكلية.

العوامل الستة الداعمة لصعود أسهم دبي

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي علي حمودي إن ارتفاع المؤشر بأكثر من 11 بالمئة في أوائل عام 2026 جاء مدفوعاً باقتصاد غير نفطي يساهم بنسبة 95 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. 

وأوضح أن الصعود يستند إلى ستة عوامل رئيسية تشمل:

التركيز الاقتصادي غير النفطي.

ازدهار قطاعي العقارات والتجزئة.

الاتفاقيات التجارية الاستراتيجية مثل برنامج الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) الذي عزز التجارة غير النفطية بأكثر من 24 بالمئة في النصف الأول من 2025.

الأداء المالي القوي للشركات الكبرى.

تنامي ثقة الأعمال.

زيادة معدلات الاكتتابات العامة وتدفق الاستثمار الأجنبي. وبحسب حمودي، فإن هذا الأداء يعكس تحولاً نحو نظام مالي أكثر استدامة وتنوعاً لا يعتمد على النفط، في وقت ترسم فيه محركات التجارة والسيولة ملامح مستقبل أسهم دبي.

اقرأ أيضًا:

البورصة الإماراتية اليوم: مكاسب قوية لقطاع البنوك مقابل ضغوط بيعية على "طلبات"

تم نسخ الرابط