معركة الاستقلال: كيف تعيد الرسوم الجمركية رسم العلاقة بين البيت الأبيض والفيدرالي؟

الرسوم الجمركية
الرسوم الجمركية

بعد رفض المحكمة العليا الأميركية الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بادر الأخير إلى رفع الرسوم من 10% إلى 15% في محاولة لتعزيز موقفه الاقتصادي. ورغم أن هذه الخطوة قد تمنحه دفعة سياسية، فإنها تضع تحديات مباشرة أمام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ورئيسه المقبل، كيفن وورش، وتهدد آمال الإدارة في تنفيذ تخفيضات كبيرة لأسعار الفائدة خلال العام الجاري.

أهداف اقتصادية وإيرادات ضريبية مرتقبة

سياسة ترامب التجارية، التي تقوم على تشجيع الشركات على التصنيع داخل الولايات المتحدة، تستهدف زيادة الاستثمارات والابتكار ورفع مستويات الدخل، إضافة إلى تعزيز الإيرادات العامة. وكانت الرسوم الجمركية السابقة، التي أبطلتها المحكمة العليا، متوقعة أن توفر للحكومة نحو 110 مليارات دولار من المستوردين الأميركيين للسلع الأجنبية.
ووفقاً لشركة الاستشارات المالية Capital Economics، فإن رفع الرسوم إلى 15% سيؤدي إلى إعادة المعدل الفعلي للرسوم إلى 14.5% لمدة لا تقل عن 150 يوماً، وهو مستوى أعلى قليلاً من المعدل الذي كان قائماً قبل قرار المحكمة العليا، ما يعني استمرار تحمل المستوردين الأميركيين تكاليف إضافية، وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية.

مطالب برد الرسوم وتعقيد مهمة الفيدرالي

الشركات التي سبق أن دفعت الرسوم الملغاة تطالب حالياً باسترداد أموالها. وفي حال تمت إعادة هذه المبالغ، فإن ذلك قد يوفر دفعة مالية إضافية للاقتصاد، لكنه في المقابل يزيد من تعقيد مهمة الاحتياطي الفيدرالي في إدارة السياسة النقدية واتخاذ قرار بشأن تخفيض أسعار الفائدة.

ضغوط ترامب وتباين داخل الفيدرالي

أعلن ترامب صراحة توقعه أن يقدم وورش على تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة، قائلاً: «يجب أن تنخفض الفائدة بشكل كبير جداً خلال فترة عملي». غير أن محاضر الاجتماعات الأخيرة للاحتياطي الفيدرالي تكشف عن انقسام بين المسؤولين؛ إذ يرى بعضهم احتمال الحاجة إلى رفع الفائدة قريباً للسيطرة على التضخم، بينما يتوقع آخرون إمكانية خفضها في وقت لاحق.
كان ترامب قد صرح خلال المنتدى الاقتصادي العالمي بأن الأسواق تخطئ عندما تتراجع رغم صدور تقارير اقتصادية إيجابية مثل “ربع رائع، شهر رائع، أرباح رائعة”، مشيراً إلى أن المستثمرين يتوقعون رفع الفائدة كرد فعل للنمو.
وتعكس هذه الحالة ما يُعرف في الأسواق بآلية “الأخبار الجيدة أخبار سيئة”، حيث يؤدي النمو السريع إلى زيادة الطلب والضغوط التضخمية، ما يدفع البنك المركزي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تشدداً للحد من ارتفاع الأسعار بدلاً من تحفيز النمو الزائد.

رؤية الخبراء: اختلاف الظروف عن التسعينيات

من جانبه، يرى داريو بيركنز من TS Lombard أن الظروف الحالية تختلف عن تجربة التسعينيات، قائلاً: «حتى إذا حققت مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي توقعاتها، فإن التضخم العالمي الحالي مختلف تماماً عن التسعينيات، الرسوم الجمركية وقيود الهجرة أضعفت القدرة الإنتاجية الأميركية، فيما الاستثمار الخاص يبقى مجرد خطاب تسويقي».
أظهرت مؤشرات التضخم الأخيرة ارتفاعاً في مؤشر الاحتياطي الفيدرالي المفضل لقياس التضخم، ما قلل من التوقعات بشأن تأثيرات التضخم العكسي. وتبعاً لذلك، تتوقع الأسواق عدم وجود فرصة كبيرة لخفض الفائدة في مارس، مع ترجيح تنفيذ خفضين بحلول ديسمبر.

غموض موقف وورش وتداعيات محتملة

لم يُعقد مؤتمر صحفي مشترك بين ترامب ووورش بعد تعيين الأخير، ما يجعل موقف رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد من الأوضاع الاقتصادية غير واضح. وكان وورش قد أشار سابقاً إلى ضرورة تقليل “الطقوس الخطابية” للبنك المركزي بدلاً من إبقاء الأسواق على “حافة مقاعدها” عبر التوجيهات المستقبلية، غير أن هذا النهج قد يترك المستثمرين في حالة من الحيرة، لا سيما في ظل تباطؤ النمو وخلق عدد محدود من الوظائف في نهاية العام الماضي.

انعكاسات على الدولار والأسواق في 2026

في ظل حالة عدم اليقين، قد يتعرض الدولار والأسواق الأوسع لضغوط خلال عام 2026. ومع استمرار الحرب التجارية، قد يواجه وورش صعوبة في إقناع لجنة تحديد الفائدة بالموافقة على تخفيضات في أسعار الفائدة.
في هذا السياق، يبرز اقتباس وزير الخزانة البريطاني الأسبق دينيس هيلي: «لا يمكن تحقيق التوظيف الكامل واستدامته إلا بعد السيطرة على التضخم»، وهي قاعدة تعكس أولوية استقرار الأسعار في مسار السياسة الاقتصادية والنقدية.

 

تم نسخ الرابط