توقعات HSBC الإيجابية للذهب: الذهب يحافظ على بريقه رغم عواصف الصراعات الجيوسياسية

الذهب
الذهب


في ظل التوترات الجيوسياسية المستمرة في الشرق الأوسط، التي ألقت بظلالها على أسواق المال العالمية، يؤكد خبراء بنك HSBC الخاص على أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته كأصل استثماري جذاب على المدى المتوسط والطويل.

رغم التقلبات الحادة التي شهدها المعدن الأصفر في بداية عام 2026، إلا أن العوامل الأساسية – من ارتفاع المخاطر الجيوسياسية إلى العجوزات المالية المتزايدة والتنويع في احتياطيات البنوك المركزية – تدعم توقعات إيجابية قوية.

هذا ما خلص إليه تقرير صادر عن رودولف بون، استراتيجي العملات الأجنبية والسلع في HSBC Private Bank and Premier Wealth والذي اطلعت عليه الصاغة

التقلبات القصيرة الأجل: من الارتفاع التاريخي إلى التصحيح الحاد

شهد الذهب بداية متقلبة للغاية في عام 2026. فقد سجل سعر الأونصة أعلى مستوى تاريخي عند 5415 دولاراً في 28 يناير، قبل أن يتراجع بنسبة تصل إلى 20% ليصل إلى أقل من 4400 دولار في 26 مارس. جاء هذا التراجع نتيجة مباشرة للتصعيد في الصراع الشرق أوسطي، خاصة بعد الضربات على إيران، حيث اضطر المستثمرون إلى تصفية مراكزهم في الذهب لتوفير السيولة.

 

خلال هذه المرحلة “الخطرية”، ارتفعت أسعار النفط، وقوى الدولار الأمريكي كملاذ آمن مفضل، وارتفعت العوائد، وانخفضت الأسهم. وفي هذا السياق، لم يؤدِ الذهب دوره التقليدي كـ”درع جيوسياسي” بشكل كامل، إذ استحوذ الدولار على معظم الطلب الآمن. لكن مع إعلان وقف إطلاق النار الأخير، عاد الذهب للارتفاع بسرعة، مما يؤكد قدرته على التعافي السريع عندما تهدأ الأسواق.


يؤكد التقرير أن اتجاه الذهب قصير الأجل يظل مرتبطاً بتطورات الشرق الأوسط: وقف إطلاق نار دائم، إعادة فتح مضيق هرمز بشكل رسمي، واستقرار أسعار النفط عند مستويات أقل.

هذه العوامل مجتمعة ستخفف الضغوط المالية وتقلل من مخاوف التضخم، مما يفتح الباب أمام ارتفاع جديد.


العلاقة المتغيرة بين الذهب والنفط: ليست دائماً إيجابية

أحد أبرز الملاحظات في تقرير HSBC هو الطبيعة الديناميكية للعلاقة بين الذهب والنفط. قبل اندلاع التصعيد، كانت هناك علاقة إيجابية واضحة بين السعرين، لكنها تحولت سريعاً إلى علاقة سلبية مع تحرك السعرين في اتجاهين متعاكسين.
رغم أن قوة الدولار تضغط عادة على كلا السلعتين، إلا أن صدمة العرض في الشرق الأوسط رفعت أسعار النفط بينما أضعفت الدولار الذهب.

يوضح التقرير أن “الارتفاع القوي في أسعار النفط لا يؤدي بالضرورة إلى ديناميكيات مشابهة في أسعار الذهب في البيئة السوقية الحالية”.

السياسة النقدية: العوائد الحقيقية المرتفعة عقبة، لكن الركود التضخمي يدعم الطلب

تظل السياسة النقدية عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الذهب. فالذهب، الذي لا يقدم عائداً، يتأثر سلباً بالعوائد الحقيقية المرتفعة. ومنذ بداية الصراع، أصبحت العوائد طويلة الأجل أكثر أهمية، إذ تحركت جنباً إلى جنب مع قوة الدولار وضعف الأسهم وارتفاع النفط.

مع ذلك، يتوقع HSBC أن تبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال 2026 و2027، مما قد يحد من المكاسب القصيرة للذهب لكن مخاطر الركود التضخمي (stagflation) ستظل تدعم الطلب عليه.

الديون المالية والطلب من البنوك المركزية:

دعم طويل الأمد لا يمكن تجاهله


على المدى الطويل، يبرز التقرير عاملين رئيسيين يدعمان الذهب: ارتفاع العجوزات والديون العامة، والاستمرار في تنويع احتياطيات البنوك المركزية.

تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن ديون الولايات المتحدة ستقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، مع زيادة الإنفاق الدفاعي عالمياً.

هذه التطورات تدفع المستثمرين نحو الأصول “الصلبة” مثل الذهب، خاصة مع مخاوف الاستقرار المالي وقلة مرونة السياسات.

أما طلب البنوك المركزية، الذي بلغ ذروته بين 2022 و2024، فقد شهد تراجعاً طفيفاً بسبب بيع بعض البنوك للذهب للحفاظ على احتياطيات العملات الأجنبية وسط ارتفاع فواتير الطاقة والإنفاق الدفاعي.

ومع ذلك، يتوقع HSBC عودة الطلب بقوة في وقت لاحق من العام مع استئناف سياسات التنويع طويلة الأجل.

ديناميكيات العرض والطلب الفعلي: إعادة تشكيل السوق

أدت الأسعار المرتفعة إلى تغييرات ملحوظة في جانبي العرض والطلب. فقد انخفض الطلب على المجوهرات بشكل حاد، كما ضعف الطلب على العملات الذهبية، بينما ظل الطلب المؤسسي على السبائك الكبيرة قوياً، مدعوماً بتغييرات تنظيمية في أسواق مثل الهند والصين.

من جانب العرض، من المتوقع ارتفاع إنتاج المناجم بشكل متواضع في 2026-2027، مع زيادة إعادة التدوير بفضل الأسعار المرتفعة.

هذه الزيادة في المعروض قد تحد من الارتفاعات الكبيرة إذا استمر ضعف الطلب الاستثماري.

ومع ذلك، أصبح طلب المستثمرين الأفراد أكثر أهمية في تحريك الأسعار مؤخراً.

  النظرة الإيجابية تظل قائمة


في الختام، يرى تقرير HSBC أن تراجع الذهب الأخير كان نتيجة مرحلة “خطرية” مدفوعة بالسيولة، حيث تفوقت قوة الدولار والعوائد المرتفعة وارتفاع النفط على جاذبية الذهب كملاذ آمن.

لكن على المدى المتوسط والطويل، يبقى الذهب مدعوماً بقوة من المخاطر الجيوسياسية المرتفعة، والعجوزات المالية المتزايدة، وعودة الشراء من البنوك المركزية والمستثمرين.

رغم أن ضعف الطلب على المجوهرات والعملات، وزيادة العرض من المناجم وإعادة التدوير، قد يحد من المكاسب الكبيرة، إلا أن الاستراتيجيين في HSBC يحافظون على نظرتهم الإيجابية (bullish) للذهب.

نصيحة الخبراء

 في ظل هذه البيئة المعقدة، يظل الذهب خياراً استراتيجياً للمستثمرين الباحثين عن التحوط من المخاطر طويلة الأجل. يُنصح بمراقبة تطورات وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط ومؤشرات السياسة النقدية عن كثب، لأنها ستحدد الاتجاه القصير الأجل لهذا المعدن الثمين الذي لا يزال يلمع في عالم مليء بالشكوك.

لمتابعة أخبار البورصة المصرية لحظيًا:

تم نسخ الرابط