السياسة المالية الأمريكية تحت المجهر.. من يملك قرار الضرائب والإنفاق؟
في الولايات المتحدة، لا تُدار السياسة المالية بقرار منفرد من الرئيس أو الكونغرس، بل تُصاغ من خلال توازن معقد بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، في عملية تحدد شكل الاقتصاد الأميركي واتجاهاته المستقبلية، سواء عبر الضرائب أو الإنفاق الحكومي أو خطط التحفيز ومواجهة التضخم.
وتُعد السياسة المالية أحد أهم الأدوات الاقتصادية التي تستخدمها الحكومات للتأثير على النمو والاستقرار الاقتصادي، من خلال التحكم في مستويات الإنفاق العام والضرائب. وبينما يقترح الرئيس الأميركي أولويات الميزانية السنوية، يتولى الكونغرس مناقشتها وتعديلها واعتمادها، في حين يمكن للسلطة القضائية التدخل لحسم دستورية بعض الإجراءات المالية.
وتستند السياسة المالية الحديثة إلى أفكار الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز، الذي رأى أن الحكومات قادرة على تحفيز الاقتصاد أو تهدئته عبر تعديل الإنفاق والضرائب، خاصة خلال فترات الأزمات الاقتصادية والركود.
كيف تُدار السياسة المالية في أميركا؟
تبدأ العملية بإعداد الرئيس الأميركي لمشروع الموازنة الفيدرالية السنوية، والتي تتضمن أولويات الإنفاق الحكومي، وخطط الضرائب، والعجز أو الفائض المتوقع في الميزانية. وتمثل هذه الوثيقة خريطة اقتصادية تعكس رؤية الإدارة الأميركية للاقتصاد خلال العام المالي الجديد.
لكن اقتراح الرئيس لا يصبح نافذًا تلقائيًا، إذ ينتقل الملف إلى الكونغرس الأميركي، الذي يمتلك سلطة مراجعة الميزانية، ووضع قرارات الإنفاق، وتخصيص الأموال للقطاعات المختلفة مثل الدفاع، والصحة، والتعليم، والبنية التحتية.
ويحتاج أي مشروع إنفاق أو قانون ضريبي إلى موافقة الكونغرس قبل توقيع الرئيس عليه وتحويله إلى قانون نافذ.
السياسة المالية التوسعية والانكماشية
تلجأ الحكومات عادة إلى نوعين رئيسيين من السياسات المالية، وفقًا لظروف الاقتصاد.
فعندما يتباطأ الاقتصاد أو يدخل مرحلة ركود، يتم تطبيق سياسة مالية توسعية عبر زيادة الإنفاق الحكومي وخفض الضرائب، بهدف تحفيز الاستهلاك والاستثمار وتقليل معدلات البطالة.
أما في فترات التضخم والارتفاع المفرط للأسعار، فتتجه الحكومات إلى السياسة المالية الانكماشية، من خلال خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب، للحد من السيولة والسيطرة على التضخم.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن السياسة المالية غالبًا ما تعمل بالتوازي مع السياسة النقدية التي يديرها البنك المركزي الأميركي، من أجل تحقيق التوازن الاقتصادي وضبط معدلات النمو والتضخم.
دور القضاء في رسم السياسة الاقتصادية
ورغم أن الرئيس والكونغرس يمثلان الطرفين الرئيسيين في رسم السياسة المالية، فإن القضاء الأميركي يمتلك بدوره تأثيرًا مهمًا، خاصة عندما تنظر المحاكم في دستورية القوانين المالية والضريبية.
ويُعد حكم المحكمة العليا الأميركية في قضية South Dakota v. Dole من أبرز الأمثلة على ذلك، بعدما أيدت المحكمة سلطة الحكومة الفيدرالية في ربط تمويل الطرق السريعة برفع سن الشرب القانوني.
من يتحكم فعليًا في الاقتصاد الأميركي؟
ورغم أن الرئيس الأميركي يُعتبر واجهة السياسة الاقتصادية أمام الرأي العام والأسواق العالمية، فإن الكونغرس يظل شريكًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه، خاصة أنه يمتلك سلطة إقرار الميزانية والضرائب والإنفاق.
وفي أوقات الانقسام السياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، تتحول السياسة المالية إلى ساحة صراع حقيقية، قد تؤثر على الأسواق العالمية وأسعار الفائدة والنمو الاقتصادي.
وفي النهاية، تبقى السياسة المالية الأميركية نتاجًا لتوازن القوى بين البيت الأبيض والكونغرس، في معادلة معقدة تتحكم في مستقبل أكبر اقتصاد في العالم، وتنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي بأكمله.
لمتابعة أخبار الذهب:
- صفحة موقع الصاغة على تيك توك: "اضـــــغـــط هـــــنـــــا".
- صفحة موقع الصاغة على تليجرام: "اضــغـــط هــــنــــا".

