تحرير الدولار من الذهب: كيف دمر الاحتياطي الفيدرالي والحزبان الأمريكيان أمريكا

الصاغة

الديون المتفاقمة والتضخم السياسي.. قصة الانهيار الاقتصادي الأمريكي تحت غطاء الصراعات الحزبية

يسلط الكاتب المالي غاري تاناشيان الضوء على جذور الأزمة الاقتصادية الأمريكية المعاصرة، معتبرًا أن قرار الرئيس ريتشارد نيكسون بإغلاق “نافذة الذهب” عام 1971 كان نقطة تحول كارثية أطلقت العنان لآلة التضخم النقدي في الاحتياطي الفيدرالي (الفيدرالي)، مدعومة بتواطؤ الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء.

يصف تاناشيان هذا النظام بـ”الأونيبارتي” (الحزب الواحد)، الذي يعمل خلف الكواليس بغض النظر عن الوجه السياسي في البيت الأبيض، مستغلًا الطباعة النقدية غير المقيدة لتمويل الإنفاق الحكومي المتفجر، الحروب الخارجية، والمشاريع غير المنتجة، مما أدى إلى تراكم ديون عامة هائلة وتآكل الطبقة الوسطى.

يؤكد الكاتب أن التضخم ليس ظاهرة غامضة أو طبيعية، بل نتيجة مباشرة لزيادة عرض النقود مقابل الأصول المحدودة، مما يرفع أسعار الأصول لصالح الأغنياء (أصحاب الأصول) على حساب الفقراء والطبقة العاملة الذين يعيشون من راتب إلى آخر. هذا التباين الاجتماعي-الاقتصادي يُغطى عليه بصراعات سياسية وثقافية مصطنعة، تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي والخوارزميات التي تحبس المواطنين في “صوامع معلوماتية” حزبية، تحول الخصوم إلى أعداء، وتصرف الانتباه عن السبب الحقيقي للتدهور: السياسة النقدية غير المسؤولة. 

من معيار الذهب إلى عصر الديون اللامتناهية

قبل عام 1971، كان الدولار مرتبطًا بالذهب، مما فرض نوعًا من “التقشف المالي” الطبيعي وحد من قدرة الحكومة على الإنفاق غير المحدود. بعد إنهاء هذا الارتباط، بدأ النمو الاقتصادي (الناتج المحلي الإجمالي) في التسارع، لكن الدين العام تسارع أكثر بكثير.

يصل الدين العام الأمريكي اليوم إلى نحو 38.5 تريليون دولار، ويستمر في الارتفاع بشكل حاد حتى تحت إدارة جمهورية يُفترض أنها “محافظة” أو “ثورية” مثل إدارة ترامب الحالية، مدعومة بأغلبية جمهورية في الكونغرس.

يستشهد تاناشيان ببيانات رسمية من بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، تظهر أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي (Debt-to-GDP) ارتفعت بوتيرة أسرع منذ عهد ريغان عام 1980، وتتجه الآن نحو الارتفاع مجددًا.

الخلاصة الواضحة التي لا تقبل الجدل، حسب الكاتب: “تعيش الولايات المتحدة على قدرتها على زيادة الدين. هذه هي الحقيقة البسيطة”. أصبح الاقتصاد الأمريكي رهينة لسياسة “النمو بالدين”، حيث يتدخل الفيدرالي في كل ركود محتمل بضخ المزيد من السيولة، مما يمنع التصحيح الطبيعي للأسواق لكنه يفاقم المشكلات الهيكلية على المدى الطويل. 

الصراع الحزبي.. تشتيت مقصود عن المشكلة الحقيقية

يصف تاناشيان الصراعات بين “اليسار” و”اليمين” بأنها إلهاء كبير. ففي صومعة واحدة يُروج لتغييرات ثقافية متطرفة، وفي الأخرى يُباع حلم “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” مع التمسك بالأسلحة والدين، بينما يستمر “الأونيبارتي” في دعم الحروب الخارجية والإنفاق غير المنضبط.

لا ينجو أي حزب من النقد: الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء 

سمحوا للفيدرالي بالعمل بلا عقاب. حتى حركة MAGA، التي نجحت في رفع نجم تلفزيوني إلى الرئاسة، تحولت إلى “جيش زومبي” حسب وصف الكاتب، بعد أن فشلت في مواجهة الجوهر المالي للمشكلة.

يُشيد تاناشيان بأصوات نادرة مثل رون بول وتوماس ماسي، الذين يفهمون خطورة الاحتياطي الفيدرالي، لكنه يرى أن الغالبية العظمى من الشعب محاصرة في أوهام حزبية تغذيها الخوارزميات.

وفي الوقت نفسه، يواجه الفيدرالي اليوم تحديات جديدة مع رئيسه الجديد، حيث يتعين عليه الاختيار بين مواجهة سوق السندات (التي بدأت ترسل إشارات تضخمية قوية) أو مواجهة الضغوط السياسية.

آفاق قاتمة.. هل من مخرج؟

يخلص الكاتب إلى أن المجتمع الأمريكي أصبح أكثر خطورة بسبب هذه الانقسامات المصطنعة، بينما تتآكل أسس الاستقرار المالي والاجتماعي. الدين المتضخم يهدد بانهيار كارثي إذا بدأ في التفكك من تلقاء نفسه، والتضخم النقدي يستمر في نقل الثروة من الفقراء إلى الأغنياء.

يطالب تاناشيان بفهم أعمق للنظام النقدي، معتبرًا أن إعادة النظر في دور الذهب كمرساة للاستقرار المالي قد تكون ضرورية، رغم صعوبة ذلك في عالم اليوم.

في النهاية، يبدو أن أمريكا، ومعها العالم، تدفع ثمن التحرر من قيود الذهب، حيث أصبحت السياسة النقدية أداة للإثراء غير المتكافئ والحفاظ على السلطة، على حساب مستقبل الأجيال القادمة.

هذا التحليل يأتي في وقت يشهد فيه الذهب نفسه دورًا متزايدًا كملاذ آمن عالميًا، وسط الشكوك المتزايدة في استدامة النظام الدولاري الحالي.

 

تم نسخ الرابط