"الدولار الضعيف".. كيف تتغير موازين الربح والخسارة في الأسواق العالمية؟

الدولار الأمريكي
الدولار الأمريكي

يتصاعد الجدل في الأسواق العالمية حول مستقبل الدولار الأمريكي، في ظل موجة من التحولات السياسية والاقتصادية التي تعيد رسم خريطة الثقة في العملة الأكثر هيمنة داخل النظام المالي الدولي. 

وينظر إلى أداء العملة الأمريكية حالياً كمؤشر يعكس قلقاً متزايداً لدى المستثمرين من مسار السياسات الأمريكية، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.

وتتزايد الضغوط على الدولار مع تداخل عوامل جيوسياسية ونقدية ومالية، تبدأ من توترات واشنطن مع حلفائها، مروراً بالغموض الذي يحيط بتوجهات السياسة النقدية، وصولاً إلى تنامي المخاوف من اتساع العجز المالي والدين العام. 

إعادة تموضع حذر

هذا المشهد المعقد يدفع رؤوس الأموال العالمية إلى إعادة تموضع حذر، بحثاً عن ملاذات بديلة وأكثر استقراراً.

وينعكس هذا التحول بوضوح في أداء الأسواق، حيث تستفيد المعادن النفيسة والعملات المنافسة من تراجع جاذبية الدولار، في وقت تترقب فيه الأسواق ما إذا كان ضعف العملة الأمريكية سيظل ضمن مسار منظم يخدم التوازنات الاقتصادية، أم أنه سيتحول إلى إشارة إنذار مبكر بمرحلة أوسع من الاضطراب وعدم اليقين في الاقتصاد العالمي.

تقلبات ملحوظة في أداء الدولار

شهد الدولار تقلبات واضحة خلال الأيام الماضية، إذ تماسك يوم الأربعاء بعد تراجعات لافتة سجلها يوم الثلاثاء. وجاء هذا التعديل في المسار بدعم من تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي أكد أن الولايات المتحدة تتبع سياسة الدولار القوي، موضحاً أن ذلك يعني وضع العوامل الأساسية في المسار الصحيح، نافياً في الوقت نفسه تدخل واشنطن في أسواق العملات لدعم الين الياباني، بحسب ما نقلته شبكة “سي إن بي سي”.

وفي السياق ذاته، أشار تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” إلى توقعات العديد من المستثمرين بأن يواصل الدولار مسار الضعف خلال عام 2026.

وقال محللون في بنك “جيه بي مورغان” إن أسباب التشاؤم بشأن الدولار لا تزال قائمة. من جانبه، أشار رئيس قسم الاستثمار متعدد الأصول في شركة “رويال لندن” لإدارة الأصول، تريفور غريثام، إلى أحدث الهجمات التي شنتها الإدارة الأمريكية ضد كندا وكوريا الجنوبية، معتبراً أن قوة الذهب وضعف الدولار يعكسان شكوكاً جدية حول السياسات التي تتبعها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأضاف غريثام أن التلميحات الموثوقة حول احتمال تدخل الولايات المتحدة لشراء الين الياباني تظهر أن صناع السياسات لا يولون اهتماماً كافياً بمخاطر انخفاض قيمة الدولار، في إشارة إلى التكهنات التي سادت مؤخراً بشأن تدخل مشترك أمريكي ياباني في أسواق العملات لوقف التراجع السريع للين أمام الدولار.

بدورهم، قال محللون في بنك “MUFG” إن اليورو يستفيد من دوره كعملة مضادة للدولار، في ظل تزايد المخاوف بشأن صنع السياسات الأمريكية. 

وأوضحوا أن عدداً من القضايا تؤثر على العملة الأمريكية في وقت واحد، من بينها المخاوف المرتبطة بإغلاق الحكومة الأمريكية، والتحركات الحادة في الين، والشائعات حول اختيار رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى التوترات بين الولايات المتحدة وحلفائها في حلف الناتو، والتي بلغت ذروتها مع مطالب ترامب بالسيطرة على غرينلاند.

علاوة المخاطر والبحث عن بدائل

وقال كبير استراتيجيي العملات الأجنبية في بنك “باركليز”، ليفترس فارماكيس، إن ملف غرينلاند أعاد إحياء علاوة المخاطرة للدولار، معتبراً أن زعزعة النظام العالمي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية تمثل عاملاً سلبياً طويل الأمد للدولار، إذ تشجع المستثمرين على التخلي عن الأصول المقومة بالدولار أو التحوط من مخاطره.

وأشار إلى أن شائعات التدخل في سوق الصرف الأجنبي تسهم في زيادة الضغط على الدولار، من خلال إرسال إشارات إلى استعداد الإدارة الأمريكية للسماح بانخفاض قيمته لدعم القدرة التنافسية للصادرات. وفي المقابل، سمحت التطورات الاقتصادية والسياسية في أوروبا للمستثمرين بأن يصبحوا أكثر إيجابية تجاه اليورو والجنيه الإسترليني.

وفي هذا السياق، قال رئيس استراتيجية العملات الأجنبية لمجموعة العشر في إدارة الثروات العالمية ببنك “يو بي إس”، كونستانتين بولز، إن البيانات الاقتصادية الأخيرة الصادرة من ألمانيا، أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، عززت المعنويات لدى بعض المستثمرين.

وكان الرئيس دونالد ترامب قد صرح بأنه لا يعتقد أن قيمة الدولار انخفضت أكثر من اللازم، معتبراً أن العملة الأمريكية “تؤدي أداءً رائعاً”، ومشيراً إلى توقعه تقلبات في أسعار العملات، وذلك خلال تصريحات للصحافيين في ولاية أيوا.

تحول عميق في الأسواق

من جانبه، قال رئيس قسم الأسواق المالية في شركة “FXPro”، ميشال صليبي، إن تصريحات ترامب الأخيرة لفتت الانتباه إلى تسارع وتيرة تراجع الدولار، موضحاً أن هذا التراجع لا يقتصر على كونه حركة قصيرة الأجل، بل يعكس تحولات أعمق في غالبية الأسواق العالمية.

وأوضح صليبي أن ضعف الدولار ينعكس بشكل مباشر على ارتفاع جاذبية الذهب والفضة، ليس فقط كأدوات تحوط من التضخم، بل أيضاً كوسيلة لحماية القوة الشرائية في ظل تآكل قيمة الدولار، ما يدفع إلى تدفقات قوية نحو المعادن الثمينة مع كل موجة هبوط للدولار.

وأشار إلى أن الدولار الأضعف قد يدعم على المدى القصير أرباح الشركات الأمريكية، خاصة متعددة الجنسيات، نتيجة ارتفاع قيمة الإيرادات الخارجية عند تحويلها إلى الدولار، محذراً في الوقت نفسه من أن استمرار الهبوط السريع وغير المنظم قد يُفسَّر من قبل الأسواق كمؤشر قلق هيكلي يؤدي إلى تآكل الثقة.

وأضاف أن ضعف الدولار يخفف من الضغوط على عملات الأسواق الناشئة، لا سيما فيما يتعلق بالديون المقومة بالدولار، ما قد يدعم تدفقات رؤوس الأموال إليها، مؤكداً أهمية أن يكون التراجع تدريجياً ومنظماً.

سوق هابطة وسلاح ذو حدين

ونقلت شبكة “سي إن بي سي” عن مراقبين في السوق قولهم إن الدولار دخل بالفعل في سوق هابطة، محذرين من أن ضعف العملة يمثل “سلاحاً ذا حدين” للاقتصاد الأمريكي. 

ووصفت كبيرة الاقتصاديين في شركة “ADP”، نيلا ريتشاردسون، انخفاض الدولار بأنه سيف ذو حدين، مشيرة إلى أنه يعزز تنافسية الصادرات الأمريكية، لكنه في الوقت ذاته قد يضعف الثقة محلياً، وهي ثقة ضرورية في ظل التحديات المتعلقة بالتضخم والعجز والديون والحاجة إلى بيع سندات الخزانة.

انعكاسات على الاقتصاد العالمي

من جانبها، قالت خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس، إن انخفاض قيمة الدولار يعد في صالح الاقتصاد الأمريكي عند التركيز على التصدير، لأنه يمنح المنتجات الأميركية ميزة تنافسية قوية في الأسواق العالمية. 

وأوضحت أن هذا النهج ليس جديداً، إذ تلجأ إليه دول مثل الصين من خلال خفض قيمة عملتها لتعزيز الصادرات.

وأضافت أن الأثر السلبي لانخفاض الدولار يظهر لدى الدول المصدرة للنفط، حيث يتم تسعير صادراتها بالدولار، ما يعني بيع النفط بأسعار أقل من قيمته الحقيقية، وهو ما ينعكس سلباً على موازناتها العامة.

تراجع الدولار يؤدي إلى حالة من الارتباك

وأشارت إلى أن تراجع الدولار يؤدي إلى حالة من الارتباك في الأسواق العالمية، وتقلبات حادة في أسعار الأصول، واضطراب في تدفقات الاستثمارات، وتغير في سلوك المستثمرين الذين يتجهون إلى بدائل جديدة، مثل المعادن النفيسة والعملات الأخرى.

وترى رمسيس أن هذه التطورات قد تدفع إلى تراجع الإقبال على سندات وأذون الخزانة الأمريكية، مقابل زيادة الاهتمام باليورو واليوان والمعادن النفيسة، وهو ما قد يضغط على اقتصادات الدول الناشئة ويؤدي إلى تآكل احتياطياتها من النقد الأجنبي.

وفيما يتعلق بالنظام النقدي العالمي، أوضحت أن فك ارتباط العملات بالدولار أو ربطها بعملات أو معادن أخرى قد يكون مطروحاً على المدى الطويل، لكنه مسار معقد ويحتاج إلى وقت طويل، ولا يمكن تطبيقه بسهولة دون مخاطر.

ويبقى مستقبل الدولار مرهوناً بقدرة السياسات الأمريكية على استعادة الثقة، في وقت تراقب فيه الأسواق العالمية مسار العملة الخضراء باعتباره مؤشراً رئيسياً على اتجاهات الاستقرار أو القلق في الاقتصاد العالمي.

اقرأ أيضًا:

"أزمة ثقة".. الدولار يتراجع لأدنى مستوى منذ أربع سنوات

تم نسخ الرابط