وارش على رأس الفيدرالي.. هل انتهى زمن الذهب كملاذ آمن؟
استقبلت الأسواق العالمية إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترشيح كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي بنبرة اتسمت بالهدوء والحذر، في إشارة واضحة إلى أن المستثمرين يرون في المحافظ السابق شخصية قادرة على إدارة السياسة النقدية الأميركية دون صدامات حادة أو انحرافات مفاجئة، رغم التوقعات بإمكانية ميله نحو خفض أسعار الفائدة في مرحلة لاحقة.
فور الإعلان، سجلت عوائد السندات الأميركية استقرارًا ملحوظًا، ما عكس ارتياح الأسواق لعدم وجود تهديد فوري لاستقلالية البنك المركزي أو تصاعد جديد في الضغوط التضخمية.
في المقابل، تحسن أداء الدولار الأميركي أمام سلة من العملات الرئيسية، بينما ظلت خسائر أسواق الأسهم محدودة، في دلالة على أن المستثمرين ينظرون إلى وارش باعتباره صوتًا نقديًا منضبطًا أكثر منه أداة سياسية في يد البيت الأبيض.
ضغط حاد على الذهب والفضة
الانعكاس الأكبر لترشيح وارش ظهر في أسواق المعادن النفيسة، حيث تعرضت أسعار الذهب والفضة لهبوط حاد، بعد أن تراجعت مخاوف المستثمرين من ضعف الدولار وفقدان السيطرة على السياسة النقدية، وهي العوامل التي كانت تدفع بقوة نحو التحوط عبر المعدن الأصفر والفضة.
وقال كبير المستشارين الاقتصاديين في «أليانز»، محمد العريان، في منشور عبر منصة «X»، إن وارش يمتلك مزيجًا قويًا من الخبرة العميقة والرؤية الواسعة ومهارات التواصل، مشيرًا إلى أن التزامه بإصلاح الفيدرالي يعزز فعالية السياسة النقدية ويحمي استقلال المؤسسة.
ترشيح يبدد الشكوك
وبحسب شبكة «CNBC»، اعتبر المستثمرون اختيار وارش خطوة أنهت حالة القلق التي خيمت على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة الماضية، وهي مخاوف كانت تضغط على أسواق الأسهم وترفع توقعات التضخم. ومع انحسار هذه الهواجس، عاد تركيز الأسواق مجددًا إلى أساسيات الاقتصاد وأرباح الشركات، بدلًا من القلق من تدخل سياسي مباشر في قرارات السياسة النقدية.
ويُعرف وارش، الذي شغل منصب عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي بين عامي 2006 و2011، بموقفه المتشدد تجاه سياسات التيسير الكمي، وهو ما أكسبه سمعة «الصقر النقدي»، وجعله خيارًا مريحًا للمستثمرين القلقين من موجة تضخمية جديدة.
وقال بيتر بوكفار، كبير مسؤولي الاستثمار في «OnePoint BFG Wealth Partners»: «وارش اختيار ممتاز، فقد عارض باستمرار السياسات النقدية المفرطة في التيسير، سواء عبر أسعار الفائدة أو توسع الميزانية العمومية».
علاقة ترامب بالفيدرالي تعود للواجهة
يأتي هذا التطور في ظل تاريخ طويل من التوتر بين ترامب والاحتياطي الفيدرالي، منذ تعيين جيروم باول في 2018، حيث واصل الرئيس الأميركي الضغط من أجل خفض الفائدة بوتيرة أسرع، حتى بعد التخفيضات التي تمت في نهاية 2025.
ويرى جاي وودز، كبير استراتيجيي الأسواق في «Freedom Capital Markets»، أن وارش يدرك أهمية استقلالية الفيدرالي، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الهدوء الحالي قد لا يستمر طويلًا. بينما ذهب كريس روبكي، كبير الاقتصاديين في «Fwdbonds»، إلى أن الأسواق ربما تقلل من احتمال انسجام وارش تدريجيًا مع أجندة البيت الأبيض الاقتصادية.
أسوأ جلسة للفضة منذ عقود
وكانت أسواق المعادن النفيسة الأكثر تضررًا، إذ هوت عقود الفضة بأكثر من 31% لتسجل أسوأ جلسة لها منذ عام 1980، فيما تراجعت أسعار الذهب بأكثر من 11%. وأرجع محللون هذا الانخفاض العنيف إلى توقعات بتعزيز استقرار الدولار وتراجع الحاجة للتحوط، في حال تبنى الفيدرالي نهجًا نقديًا أكثر توازنًا تحت قيادة وارش.
بهذا، يفتح ترشيح كيفن وارش فصلًا جديدًا في علاقة السياسة النقدية الأميركية بالأسواق العالمية، وسط ترقب لما إذا كان الهدوء الحالي مقدمة لاستقرار طويل، أم مجرد هدنة قصيرة قبل موجة تقلبات جديدة.

