تراجع حاد في أسعار الذهب والفضة.. لماذا انعكست مسيرة الارتفاع التاريخية للمعادن الثمينة؟
في تطور صادم للأسواق العالمية، يواجه الذهب والفضة ضغوطًا بيعية شديدة، حيث فقدا بريقهما اللامع الذي كان يميز بداية عام 2026. انخفض سعر الذهب بنسبة 19%، بينما انهار سعر الفضة بنسبة مذهلة بلغت 38% من مستوياتهما القياسية التي سجلاها في يناير الماضي، مما يشير إلى نهاية سريعة للرالي الصعودي الذي كان يُعتبر ملاذًا آمنًا في ظل التوترات الجيوسياسية والاقتصادية.
وسجل الذهب أعلى مستوى تاريخي له عند 5602 دولار للأونصة في يناير، بينما بلغت الفضة مستوى قياسيًا عند 121 دولارًا.
لكن الواقع الآن يروي قصة مختلفة تمامًا خلال الثلاثين يومًا الماضية وحدها، خسر كلا المعدنين أكثر من 5% من قيمتهما، وفي جلسة التداول يوم الاثنين، هبطت الفضة دون حاجز 75 دولارًا للأونصة للجلسة الثالثة على التوالي.

أسباب الضغوط البيعية القاسية
يعود السبب الرئيسي في هذا التراجع الحاد إلى عودة الضغوط التضخمية بقوة، مدعومة بارتفاع أسعار الطاقة والتوترات في الشرق الأوسط. يشهد إيران صراعًا مستمرًا أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 17% خلال الشهر الماضي، مما غذى مخاوف التضخم العالمي. وأظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) ومؤشر أسعار المنتجين (PPI) الأمريكية لشهر أبريل عودة التضخم بقوة، الأمر الذي غير توقعات الأسواق بشكل جذري.
نتيجة لذلك، استبعدت الأسواق تمامًا احتمال خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال عام 2026، بل أصبح الحديث الآن يدور حول احتمال رفع الفائدة لمواجهة موجة التضخم الجديدة.
ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.63%، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025، بينما تجاوز العائد على سندات الـ30 عامًا حاجز 5%، مما يعكس تشددًا ملحوظًا في الظروف المالية.
وفي هذا السياق، و “استمر البيع مع إعادة تسعير توقعات الفيدرالي وسط مخاطر التضخم المستمرة المرتبطة بانقطاعات في هرمز.
وارتفاع عوائد الخزانة والدولار القوي أثقل كاهل الأصول غير المدرة للعوائد، بعد أن أكد مسؤولو الفيدرالي أن احتواء التضخم يظل الأولوية المركزية.
وأصبحت الأسواق الآن تتوقع احتمالية بنسبة 50% تقريبًا لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول ديسمبر، مقارنة بـ13.6% فقط قبل أسبوع”.

قوة الدولار تضغط على المعادن
لم يقتصر الأمر على ارتفاع العوائد، بل شهد مؤشر الدولار الأمريكي ارتفاعًا مدعومًا بصعود أسعار النفط، وهو يتجه الآن نحو تجاوز حاجز 100 نقطة مرة أخرى. يُعد الدولار القوي والعوائد المرتفعة عاملين رئيسيين يضغطان على أسعار الذهب والفضة، حيث يقللان من جاذبية هذه الأصول التي لا تدر عوائد.
من جانب آخر، خفضت استراتيجيو بنك UBS توقعاتهم للطلب الاستثماري على الفضة للعام بأكمله إلى 300 مليون أونصة، مقابل أكثر من 400 مليون أونصة سابقًا.
يعود ذلك إلى تراجع الطلب الصناعي وزيادة المعروض من المناجم.
كما توقع البنك تضييق العجز في سوق الفضة العالمية بشكل كبير إلى نحو 60-70 مليون أونصة فقط، مقارنة بتوقعات سابقة عند 300 مليون أونصة.
أما بالنسبة للذهب، فيحذر المحللون من ضغوط هبوطية إضافية إذا استمرت العوائد الحقيقية في الارتفاع.
وقد يؤدي كسر مستويات الدعم الرئيسية إلى إعادة اختبار الحد الأدنى لنطاق التداول العريض، مع اعتبار بعض المتداولين مستوى 4000 دولار للأونصة كدعم محتمل.
التوقعات المستقبلية ونقاط التركيز
ما لم يحدث تحول معنوي في توقعات أسعار الفائدة، فمن المتوقع أن يستمر الذهب والفضة في مواجهة رياح معاكسة قوية.
ويترقب المتعاملون في الأسواق بفارغ الصبر دقائق اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح (FOMC)، وبيانات مؤشر مديري المشتريات الأمريكي السريع (flash PMI)، وبيانات توقعات التضخم من جامعة ميشيغان.
ويأتي ذلك في وقت يتولى فيه كيفن وارش منصبه الجديد كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مما يجعل أي إشارات حول السياسة النقدية والتوقعات الاقتصادية حاسمة.
يُذكر أن المعادن الثمينة كانت قد استفادت سابقًا من دورها كملاذ آمن وسط التوترات الجيوسياسية والمخاوف من الركود، لكن عودة التضخم وتشدد السياسة النقدية غيرت المعادلة جذريًا.


