هل كسرت الصين احتكار أخطر آلة في العالم؟
تحولت صناعة أشباه الموصلات خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة الصراع الأهم بين القوى الاقتصادية الكبرى، ولم تعد المنافسة تقتصر على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو تصنيع الحواسيب العملاقة، بل أصبحت تدور حول امتلاك التكنولوجيا التي تصنع الرقائق الإلكترونية نفسها.
وفي قلب هذا الصراع تقف آلة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، التي توصف بأنها أخطر وأهم آلة في العالم، لكونها المفتاح الأساسي لإنتاج الرقائق الإلكترونية الأكثر تطورًا المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخوادم العملاقة والهواتف الذكية الحديثة.
تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين
ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، برزت تساؤلات جديدة حول ما إذا كانت بكين نجحت في كسر الاحتكار العالمي لهذه التقنية الحساسة، وما إذا كانت تمتلك بالفعل نموذجًا قادرًا على منافسة التكنولوجيا الغربية.
وتحتل شركة ASML الهولندية مكانة استثنائية في صناعة التكنولوجيا العالمية، إذ تعد الشركة الوحيدة في العالم القادرة على تصنيع وإنتاج آلات EUV، وهي التقنية التي يعتمد عليها إنتاج أحدث الشرائح الإلكترونية بدقة متناهية.
ومنذ عام 2019 فرضت الولايات المتحدة، بالتعاون مع الحكومة الهولندية، قيودًا صارمة على تصدير هذه الآلات إلى الصين، في إطار استراتيجية تهدف إلى الحد من قدرة بكين على تطوير صناعة الرقائق المتقدمة والذكاء الاصطناعي، باعتبار أن امتلاك هذه التقنية يمنح أفضلية استراتيجية في مجالات الاقتصاد والدفاع والتكنولوجيا.
وأثار الملف اهتمامًا واسعًا بعد ظهور اتهامات أمريكية تشير إلى احتمال وصول إحدى آلات EUV إلى الصين، الأمر الذي فتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول مدى فعالية القيود المفروضة على تصدير هذه التكنولوجيا الحساسة.
إلا أن شركة ASML سارعت إلى نفي هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكدة أنها تمتلك سجلات دقيقة لجميع آلات EUV التي قامت بتصنيعها، والتي يبلغ عددها نحو 340 آلة، من بينها 26 آلة خرجت من الخدمة، وأنها تعلم الموقع الحالي لكل جهاز، مؤكدة عدم وجود أي آلة من هذا النوع داخل الأراضي الصينية.
وأوضحت الشركة أن تركيب وتشغيل هذه الأنظمة لا يمكن أن يتم إلا بواسطة مهندسيها المتخصصين، نظرًا للتعقيد الهندسي الكبير الذي تتميز به، كما أكدت أنها لم تصدر أي أجهزة EUV أو مكونات مخصصة لهذه الأنظمة إلى الصين، وأنها لم تتلق حتى الآن أي دليل يدعم الاتهامات الأمريكية بشأن انتقال إحدى هذه الآلات إلى بكين.
ومن جانبها، تعاملت الحكومة الهولندية مع هذه المزاعم بحذر، حيث أكدت أنها تأخذ أي معلومات تتعلق بانتهاك ضوابط التصدير على محمل الجد، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أنه لا توجد حتى الآن أدلة تستوجب فتح تحقيق رسمي، مشيرة إلى أن نظام مراقبة الصادرات في هولندا يعد من أكثر الأنظمة صرامة في العالم، وأن السلطات ستتخذ الإجراءات المناسبة إذا ظهرت معلومات موثوقة تثبت وقوع أي مخالفة.
ولا يقتصر الخلاف بين الولايات المتحدة وأوروبا على قضية آلة واحدة، بل يعكس اختلافًا في الرؤى حول كيفية التعامل مع الصعود التكنولوجي الصيني. ففي الوقت الذي تدعو فيه واشنطن إلى فرض قيود أكثر تشددًا على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين.
تخشى عدة دول أوروبية من أن يؤدي تشديد القيود إلى الإضرار بشركاتها الصناعية وفقدانها أحد أكبر الأسواق العالمية، خاصة أن الصين تمثل مصدرًا مهمًا للإيرادات بالنسبة لعدد من الشركات الأوروبية العاملة في قطاع أشباه الموصلات.
ويرى عدد من المسؤولين التنفيذيين الأوروبيين أن الضغوط الأمريكية على شركة ASML لا ترتبط فقط بالجوانب الأمنية، وإنما تأتي أيضًا في إطار استراتيجية أوسع تستهدف تشجيع الشركات العالمية على نقل جزء من عملياتها الصناعية إلى الولايات المتحدة، ضمن خطة أمريكية لإعادة بناء صناعة الرقائق الإلكترونية داخل أراضيها وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية.
ويتركز جانب كبير من النقاش الحالي حول احتمال انتقال بعض المكونات أو التقنيات المرتبطة بآلات EUV إلى الصين عبر موردين أو أطراف ثالثة، وليس نقل آلة كاملة، وهو السيناريو الذي يعتبره عدد من الخبراء أكثر واقعية، نظرًا لأن هذه الأجهزة تتميز بضخامة حجمها وتعقيد عملية تركيبها وتشغيلها، ما يجعل تهريبها أو تشغيلها بعيدًا عن إشراف الشركة المصنعة أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي المقابل، يلفت محللون إلى أن مصدر القلق الحقيقي بالنسبة للولايات المتحدة قد يكون مرتبطًا بآلات الطباعة الضوئية الأقدم المعروفة باسم DUV، والتي لا تزال شركة ASML تصدر جزءًا كبيرًا منها إلى السوق الصينية، لأنها لا تخضع بالكامل للقيود المفروضة على تقنيات EUV. وتشكل مبيعات معدات DUV إلى الصين نحو ثلث إيرادات الشركة، وهو ما يجعل السوق الصينية ذات أهمية اقتصادية كبيرة بالنسبة للشركة الهولندية.
وتزداد أهمية الملف مع التقارير التي تحدثت عن نجاح فريق يضم مهندسين سابقين عملوا في ASML في تطوير نموذج أولي لآلة EUV داخل الصين خلال عام 2025، حيث يخضع هذا النموذج لاختبارات داخل منشأة متخصصة بمدينة شنتشن.
ورغم أن الشركة الهولندية أكدت أن موظفيها السابقين يلتزمون باتفاقيات صارمة لحماية الأسرار التجارية، وأنها سبق أن اتخذت إجراءات قانونية ضد أي حالات ثبت فيها تسريب معلومات محمية، فإن هذه التقارير أثارت اهتمامًا واسعًا بشأن مدى التقدم الذي أحرزته الصين في هذا المجال.
وبحسب التقارير المتداولة، تستهدف الحكومة الصينية الوصول إلى إنتاج فعلي لآلة EUV محلية الصنع بحلول عام 2028، إلا أن غالبية خبراء صناعة الرقائق يرون أن تحقيق هذا الهدف خلال تلك الفترة سيكون بالغ الصعوبة.
ويتوقعون أن تحتاج الصين إلى سنوات إضافية حتى تتمكن من إنتاج آلة تضاهي التكنولوجيا الغربية، مع اعترافهم في الوقت نفسه بأن وتيرة التطور الصيني أصبحت أسرع بكثير مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.
وفي الوقت نفسه، حققت الشركات الصينية تقدمًا ملحوظًا من خلال تطوير أساليب مبتكرة للاستفادة من تقنية DUV التقليدية عبر ما يعرف بالطباعة متعددة الأنماط، وهي تقنية تسمح بإنتاج رقائق إلكترونية يقل حجمها عن سبعة نانومترات، وهي دقة كانت حكرًا على آلات EUV لفترة طويلة.
ورغم أن هذه الطريقة ترفع تكاليف التصنيع وتزيد من احتمالات حدوث الأخطاء، فإنها تمنح الصين فرصة لإنتاج ملايين الرقائق المتقدمة اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الغربية.
وفي إطار سعيها لتوحيد مواقف حلفائها، أطلقت الولايات المتحدة مبادرة جديدة تحمل اسم "Pax Silica" تهدف إلى بناء تحالف دولي يضم الدول المشاركة في سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، مع التركيز على التعاون في مجالات الطاقة والمعادن النادرة والتصنيع المتقدم والرقائق الإلكترونية.
كما يناقش الكونغرس الأمريكي مشروع قانون جديد يعرف باسم "MATCH Act"، يقضي بعدم الاكتفاء بمنع بيع معدات DUV إلى الصين، بل يشمل أيضًا وقف خدمات الصيانة والتحديثات البرمجية وقطع الغيار الخاصة بالمعدات الموجودة بالفعل داخل المصانع الصينية.
وفي المقابل، بدأت الصين اتخاذ إجراءات مضادة، من خلال إصدار لوائح تسمح بمعاقبة الشركات الأجنبية التي تلتزم بالعقوبات أو قيود التصدير الأمريكية، الأمر الذي يضع الشركات الأوروبية أمام معادلة معقدة بين الامتثال للسياسات الأمريكية والحفاظ على مصالحها الاقتصادية داخل السوق الصينية، خاصة في ظل الترابط الكبير بين سلاسل الإمداد العالمية.
ويؤكد مراقبون أن الصراع لم يعد يدور حول امتلاك الرقائق الإلكترونية فقط، بل أصبح يتعلق بالسيطرة على التكنولوجيا التي تصنع هذه الرقائق، وهو ما يجعل شركة ASML وآلات EUV في قلب واحدة من أكثر المعارك التكنولوجية والجيوسياسية تأثيرًا في العالم.
ومع استمرار سباق الذكاء الاصطناعي، ستظل هذه التكنولوجيا محورًا رئيسيًا للتنافس بين القوى الكبرى، حيث يمكن لكل قطعة غيار أو تحديث برمجي أو قرار تصدير أن يغير موازين المنافسة العالمية خلال السنوات المقبلة.
لمتابعة أخبار موقع الصاغة:
- صفحة موقع الصاغة على تيك توك: "اضـــــغـــط هـــــنـــــا".
- صفحة موقع الصاغة على تليجرام: "اضــغـــط هــــنــــا".
اقرأ أيضا
الاقتصاد الأمريكي.. كيف يجمع أكبر اقتصاد في العالم بين الرأسمالية وتدخل الدولة؟

